الاثنين، 28 أغسطس 2023

على شدا ريته ..!

 

على شدا ريته ..!

 

ارتبطت الجبال بأذهان ساكنيها ، ولشدة تمسك أبناء الجزيرة بموطنهم وحبهم لأرضهم وجبالهم فقد شبه صاحب السمو الملكي الأمير ( محمد بن سلمان ) ولي العهد شعب المملكة العربية السعودية بجبل ( طويق ) ذلك الجبل الذي يمتد بصلابته وعنفوانه وشموخه وسط المملكة.

وقد تغنى الشعراء قديما وحديثا بالأماكن وخاصة الجبال حيث أنها جالبة الذكريات وشعار القوة والمنعة ، فمن أشعار الذكريات يتداول باستمرار قول جرير :

ياحبذا جبل الريان من جبل

 وحبذا ساكن الريان من كانا

وشبه الشعراء الرجال بالجبال لقوتها ومنعتها فقال الشاعر علي بن بلال اليامي :

بالله تفكر فالرجال وفالجمال وفالجبال

واقرن بعضها في بعضها والمعاني وارده

ومن شدة اعتزاز أبناء الجبال بجبالهم انتسب بعضهم إليها فتقول الشاعرة هدى الزهراني :

إني لشاعرة الجبال وبنتها

لشموخها نسب إلى أشعاري

ولجبال السراة في قلوب أبنائها ارتباط وجداني و حب عميق وذكريات خالدة ولعلنا نرى هذا في أبيات الشاعر الكبير الدكتور صالح بن سعيد الزهراني :

يا جبال السراة .. غيرك ينسى

لستِ ممن يموت حُباً وينسى

بين جفنيك تستريح حُروفي

 تتجلّى أحلى وأعمقُ جَرْسا

فاعصري الغيم في فمي واغرسيني

في بلادٍ طابت تُراباً وغرسا

علِّميني صفوَ الهوى واشرحي لي

يا قلاع الجنوب في الحبِّ درسا

يا جبالَ السراةِ حُمِّلتُ هماً

 في زمان ماتَ الورى فيه حِسّا

قال ابن خُرمان:

ومن الجبال التي رسخت في عقول الناس وقلوبهم جبل شدا أو جبلي شدا بمعنى أدق ذانك الجبلان الأشمان الباسقان اللذان تقع جذورهما في تهامة بينما هامتيهما تطاول السماء وتوازي جبال السراة وتعلو عن الغيوم .

جبلا الشدوان بهما الآثار و تحاك حولهما الأساطير ،  ينتجان البن والموز والكادي ، ومن أهم انتاجهما الرجال الأشاوس الذين يفتخرون بانتمائهم إلى شدا الذي يقف كالحارس على تهامة .

تغنى الشعراء بهذا الجبل في الشعر الفصيح منذ الجاهلية وعصور الإسلام وتغنى ولا يزال يتغنى به شعراء الشعر الشعبي حتى الوقت الحاضر .

ذكر الشاعر أبو الجياش الحجري الأزدي الشدوين في شعره بقوله :

فجبال السراة فالفرع الوسطى

حكين الجنان فالحيفاء

 

فالشدوان من سقامة فالمرحلة

المرجحنة النجلاء

 

وقال الشاعر يعلى الأحول الأزدي :

أرقت لبرق دونه شدوان

 يمان وأهوى البرق كل يمان

 

وفي شعر النظم ربط الشاعر الدكتور عبدالواحد بن سعود الزهراني بين جبل طويق وجبل شدا في أبيات ضمن قصيدة له ربط جميل بين قبائل المملكة واتحادهم تحت ظل الحكم السعودي مدافعون عن وطنهم ومقدساتهم قال فيها :

احنا شدا يازهارين و عتيبة قمة طويق

في ظل سلمان قوة تحتمي مكة و طيبة

 

وباقي القبايل مثل زهران و عتيبة مطاليق

نبقى على قلب واحد عند الأوقات العصيبة

ويقول الشاعر عبدالرحمن بن يحيى بن محمد الزهراني الملقب ( صليب الرأس ) مشيراً إلى اعتزاز زهران بجبل شدا :

نعم أحب الجبال وهي للأرض الوتاد

ولولا كرامة شدا زهران ما تذكره

قال ابن خُرمان :

أما شعر الشقر وخاصة شعر العرضة الجنوبية والذي يغلب عليه الشعر الحماسي والفخر والاعتزاز فقد ورد كثيراً في قصائد الشعراء لن يتسع المجال لسرد جميع ما وقع بيدي ولكنني سأكتفي بإيراد بعض مما قيل عن شدا .

فالشاعر خرصان الغامدي رحمه الله يقول في مدح رجلين من المنطقة ويشبههما بشدا غامد وشدا زهران وكأنه هنا يؤكد قول الشاعر علي اليامي الوارد سابقاً :

قدر الله بين شيخان غامد لازمة

والجمل يلقى جمل

بو محمد وابو احمد رجال وشي كنوز

عند كل ماكفاه

ذا شدا غامد وهذا شدا زهران قبله

اسمها واحد وهي من بعاضيها بعض

ومن أقوال الشاعر جمعان بن موسى الحسني الزهراني رحمه الله ممتدحا الرجال ومشبها لهم بالجبال ( الأنصب وشدا ):

موسى وغازي جددوا العلم من جديد

رجال قالات وشيمه ولازمه

موسى كما الانصب وغازي كما شدا

تفي يامسكين في تالجبال الجيره

خل الجبـال التاليه وش حدابها

أما الشاعر الكبير صالح بن محمد اللخمي الزهراني فيصف جبل شدا وجمال طبيعته وحسن مناظره وما يحتويه من الجمال والمنتوجات مستوحياً قول الله تعالى في سورة النمل (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ) فيقول :

الله ارفع قمتك عن كل قمة يا شدا زهران

وابدع الخالق وسوى من صخورك لوحة فنية

لوحة يعجز يسوي مثلها النحات والرسام

ينتج البن الذي يهني وللباحة يصدر موزه

والعيون الزرق تجري والثمر من كل شيجرا

الجبال الشامخة في ارض الجنوب كثير ما هي قلة

زود عن مية جبل لكن ما شيٌ كما شدا

وللشاعر عيضة بن طوير المالكي رحمه الله عدة قصائد عن شدا منها هذه التي ينزه شدا عن كل نظرة :

الله اكبر مبعدك عن كل نظرة ياشدا

جبل (ن) يرقب على الساحل ويبدي عالسراه

والقواصف والزلازل والصواعق ما تديرة

وان رمته الصاعقة وش تأخذ البرق منه

ويقول الشاعر عيضه بن طوير ايضا في قصيدة أخرى مستدعيا جبل شدا لشموخه وعزته :

مرحبا ترحيبةً مايزنها الا شدا

مايزنها الا شدا حنّه آعز الجبال

يالله ان تسقي شدا يوم اشوفه ينتج البن

كل ما طالت غصونه تمايل ربها

ومن أقوال الشاعر عبدالله الذبياني ممتدحاً شدا وسكانه ويؤكد على قصيدة الشاعر ابن طوير السابقة عن شموخه وعنفوانه:

يا اهل المثايل ما شدا الا شدا غامد وزهران

ما مثل سكانه و لا في الجبال اللي تطوله

ويش ذا الجبل حتى البروق القواصف ما تهده

تهوي وترجع في عنان السما وشدا محله

والقصيدة التالية لشاعرمن زهران يسمى الأعمى رحمه الله كان وأخوه فاقدي البصر ويقصدان مع بعضهما ، والشاعر في هذه القصيدة يتمنى لشدا ألا يزول أو يتهادم ويسقط في وادي سقامة الوادي الموالي له ثم يذكر السبب أنه لم يجد له نظيراً ولا لإنتاجه من البن شبيهاً ، و القصيدة برواية الشيخ سعيد العنقري الزهراني :

ياشدانا لا تقول باطيح في وادي سقامة

والله انا ودنا تقعد مكانك يا شدانا

لجل ما رينا كما بنّك ولا مثلك مكاين

والجبال التالية ما ضقت منها لو تهادم

و للشاعر الكبير عبدالله بن عيضة البيضاني الزهراني عدة قصائد تطرق فيها إلى جبل شدا نورد بعضاً منها ، ومنها هذه القصيدة - التي اقتبست منها عنوان المقال – يشير فيها إلى أن شدا من شدة ارتفاعه يُشاهد السحاب الذي يحيط بقمته من أرض السراة ، بل أن البروق التي تضرب قمة شدا تضيء الطريق إلى بيشة في الشرق من منطقة الباحة فيقول :

قال الهُريري على أرض التِهم وعلى شدا ريت

ريت السحاب الذي هلّت مع الغبّش أنواه

لو أسري الليل بأتنوّر من البرق واضـّـــــــــــــاح

وآصل إلى بيشة وآحصّل على بيــشه ناوي

 

ومن أقواله يوضح أن مكانة شدا تزيد في قلوب الناس خاصة وأنه مكان للنمورة:

ياشدا زهران يا محرز ضريات النمور

تاريخك معروف من غير الكتابة والنمور

وي نحن نغليك يوم نشاهدك والا نمور

والله الوالي ولا غير الله الوالي ولي

 

ومن قصائد الشاعر هذال الزهراني رحمه الله نذكر هذا الجزء من إحدى قصائده:

والنمورة والاسودة والذيابة اللي شدا رباها

عاهدوها غامد وزهران مايلحقك منا باس

يا شدا ظليت بيح وصرت في مضمورة المحمية

تنحمي وانت الذي ترقب تهامة واحتميتها

ادخل على الله عظيم الشأن ثم ادخل على أبو فيصل

يا فهد حنا وما نملك لكم واترك شدا لنا

والله انا ما بنرضى حيد من قلة شدا ينهده

قد صبرنا على شدا ونحبه اكثر من عيالنا

وللشاعر محمد بن مصلح الزهراني رحمه الله عدد من القصائد تطرق فيها إلى ذكر جبال شدا نكتفي هنا بايراد هذه القصيدة يرى فيها أن بن شدا أكثر جودة من بن البرازيل :

یاموز يا موز في وادي الغلا لاهل ذي عين

ومغرس البن والكادي في أصدار حزنه

يا ماحلا لفة الريحان والطلع مايل

بن البرازيل مايجي كما بن شدانا

ويأتي الشاعر محمد بن دغيثر رحمه الله ليؤكد ما ذكره ابن مصلح عن بن شدا بقوله :

عام الاول قلت باروح واشري بن شدا

قالوا اهله ما نبيعه وغيره ما شريت

دونه اسوارٌ وقومٌ يرقبونه كل يوم

شرفك ربي على كل بن يابن شدانا

حرم الله غيره ما شريت ولا اشربا

قال ابن خُرمان :

ولعلي أختم مقالي هنا بهذه القصيدة للشاعر الكبير الدكتور عبدالواحد بن سعود الزهراني والتي يذكر فيها شدا وما ينتجه من البن والريحان وغيرها ثم يمدح شدا الذي لا يهتز ولا يتأثر من البروق التي تصيبه ثم يلوم الجبل في عدم تجاوبه ويذكّره أنه جبل مثله :

يا شدا فيك طلع البن والريحان واللايمون

عن غيرك ما سمعنا عن جبال تطلع البن شاما

ويش هو بن خولان الذي يقلون وش ليمنه

فيك ذيك الغيوم إلى دعى الشدوان تروي جبلهم

وفراعٌ توقد للبروق النار من هضبها

كم جبال تطيح من البروق وكم جبال تهزا

لكن أما شدا لو هزه البركان ما اهتز له

أنا مدري شدا ما يلتفت للناس وإلا شدا أعمى

أنا مثلك جبل لو تلتفت لي يا جبل ريتني

ختاماً :

كما ذكرت سابقاً أن عدداً كبيراً من الشعراء ذكروا شدا في قصائدهم ، ووقع تحت يدي الكثير منها لكن رغبة في عدم الإطالة المملة اختصرت وأتمنى أن ينال المقال إعجاب القارئ الكريم .

والله الموفق .

 

كتبه /

علي بن ضيف الله بن خُرمان الزهراني

الباحة – المندق

صفر 1445 هـ / أغسطس 2023 م.

....................

تم نشره في صحيفة مكة الإلكترونية على الرابط :

https://www.makkahnews.sa/5366804.html

 

 

الجمعة، 18 أغسطس 2023

مهلة انتظار .. أم هجران ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم


 لا يزال شاعر الغزل الجنوبي ملك شعر طرق الجبل ( أحمد بن جبران الزهراني ) يبهرنا بقصائده ، فكلما اطلعت على إحداها تثور مخليتي وتتداعى الصور والمعاني إلى الذهن بل أن الفكر يتشتت أحياناً في محاولة فهم مقصد الشاعر.. وسيكون حديثي حول هذه القصيدة التي وجدتها في الديوان الذي جمعه الأستاذ ( محمد بن زياد الزهراني ) :

أمهلت لك يا راعي الحناء في الايسار (١)
مهلة ماهي بساعة
مهلة طويلة بالسنة والشهر والدور
واعطيك المهلة بمقدور
مهلة طويلة لا تبيح ولا تيسني (٢)

 
الرد:
حتى تظلي الدركة أشكل من بني سار (٣)
والعيص أشكل من رفاعة (٤)
وايل شبل تكسع كما محوية بالجور (٥)
والصيام يرجع بعاشور
وفوق أبو سمراء يميل ونيس يسني (٦)

 
قال ابن خُرمان : أدخلنا الشاعرفي جو القصيدة مباشرة ودون أن يبدأها بما اعتدنا عليه في أغلب قصائده بقوله ( قال أحمد أم جبران ) ، بدأ بوعد أن يمهل المحبوبة والتي أشار إليها براعي الحناء في اليد اليسرى ولم يسمها كعادة شعراء المنطقة في احترام المرأة فيقول:
أمهلت لك يا راعي الحناء في الايسار
ثم يوضح أن المهلة ليست قصيرة تحسب بالساعات ولكنها مهلة طويلة جداً تحسب بالسنوات :
مهلة ماهي بساعة
مهلة طويلة بالسنة والشهر والدور
واعطيك المهلة بمقدور
ثم يوضح في آخر بيت أنها طويلة بلا نهاية ودون يأس :
مهلة طويلة لا تبيح ولا تيسني
ويواصل شاعرنا في الطرف الثاني من القصيدة ( الردود ) ومن البيت الأول حتى نهاية القصيدة في شرح مدى ومدة هذه المهلة الطويلة جداً فيأتي بالمستحيلات من وجهة نظره فيقول لن تنتهي هذه المهلة حتى تصبح بعض القرى الصغيرة في أحجامها مثل القرى الكبيرة حينها ( وللإيضاح فالمقصود صغر المساحة أو اتساعها ولا يعني التشبيه هنا الرجال )  مثل أن تكون قرية الدركة الصغيرة في حجمها أكبر من قرية بني سار الكبيرة أو أن تكون قرية العيص أكبر من رفاعة في غامد أو أن تصبح قرية آل شبل في كبر قرية محوية فيقول :
حتى تظلي الدركة أشكل من بني سار
والعيص أشكل من رفاعة
وايل شبل تكسع كما محوية بالجور
ثم يكرر الشاعر أن هذه المهلة ستستمر حتى يكون الصيام في شهر عاشور ( المحرم ) بدلاً عن شهر رمضان المبارك وهذا تأكيد منه في إيضاح طول هذه المهلة وأنها بلا نهاية:
والصيام يرجع بعاشور
ثم يختم قصيدته باستمرار مدة المهلة والانتظار حتى يصبح الحيا والعشب يغطي أبو سمرا المجدبة بينما جبل نيس المشهور والذي لا يخلف مطره عادة يعود جافاً:
وفوق أبو سمراء يميل ونيس يسني
 
قال ابن خُرمان : بعد أن نظرنا إلى القصيدة وشرحنا معانيها يتبادر إلى الذهن التساؤل هل نعتبر هذا وعد منه بانتظار طويل بسبب العشق وقد ينطبق عليه قول جميل :
واقسم لا أنساك ما ذر شارق *** وما هب آلٌ في ملمعة قفر
وهل ما فعلته المحبوبة من الهجران كان سبباً في إعطاء هذه المهلة الطويلة فيشبه حاله حال العباس بن الأحنف القائل :
تحصنت بالهجران حصناً من الهوى *** ألا كان ذا من قبل أن تمرضي القلبا
وهل ينتظر رؤيتها كحال العباس كذلك في قوله :
إني لآمل أن أراك وإنني *** من أن أموت ولا أراك لخائف
إلا أننا إذا نظرنا إلى طول مدة هذه المهلة من الشاعر أحمد بن جبران يتبادر لنا الإحساس أن ما قام به نوع من الهجران الطويل حيث لم يعد يهتم بمدة البعد وليس في قلبه لهفة على سرعة اللقاء .. والله أعلم .
 
كتبه /
علي بن ضيف الله بن خُرمان الزهراني
الباحة
المحرم 1445 هـ أغسطس 2023 م

......
هوامش :
(١) الايسار : اليد الشمال .
(٢) تبيح : تنتهي.  تيسني : يصيبها اليأس.
(٣) تظلي : تصبح.  أشكل : أكبر.   الدركة وبني سار : قريتين في زهران.
(٤) العيص : قرية في زهران.  رفاعة : قبيلة في غامد.
(٥) تكسع : تعود.  بالجور : بالكبر.  ايل شبل ومحوية : قريتين في زهران .
(٦) الفوق : الحيا والعشب.  ابو سمرا : مكان. نيس : جبل مشهور في تهامة زهران.

................
نشرت في صحيفة النهار السعودية على الرابط :
https://www.annahar-news.com/news/single/2483

الأربعاء، 31 مايو 2023

الوداع الأخير ..

بسم الله الرحمن الرحيم

الوداع الأخير 

 سألت أحد شعراء العرضة الجنوبية: لم لا أجد في قصائدك رثاء رغم وفاة والدك وبعض أصدقائك وأخيرًا والدتك؟!

فقال: صدقني لم أجد الكلمات التي تُناسب شدة أحزاني ولوعة الفقد، وأخشى لو قلت قصيدة ألا تقوم مقام الحدث، وتعبَّر عمّا في خاطري من الحزن والانكسار، والشعور بالأسى والخذلان!.
تركته حينها دون اقتناع بقوله فيما عدا معرفتي أن قصائد العرضة الجنوبية فرائحية وفخر، وليست قصائد حزن وانكسار!.
إلا أن قصائد الرثاء من أجمل قصائد الشعر العربي وأصدقها؛ فرثاء المهلهل لأخيه كليب التي يقول فيها:
أبت عيناي بعدك أن تكفا
كأن غضا القتاد لها شفار

ورثاء الخنساء لأخيها صخر في عدة قصائد منها قولها:
ولولا كثرة الباكين حولي
على إخوانهم لقتلت نفسي

ورثاء جرير لزوجته وقوله:
لولا الحياء لهاجني استعبار
ولزرت قبرك والحبيب يزار

ورثاء ابن الرومي لولده ومنها قوله:
بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي
فجودا فقد أودى نظيركما عندي

ناهيك عن رثاء حسان -رضي الله عنه- لسيد الخلق -صلى الله عليه وآله وسلم- والذي لم يصب المسلمون بفقد مثله ..

ثم تدور الأيام فأكتشف أن فقد شخص عزيز عليك يصيب ذهنك أحيانًا بالتبلد وعدم القدرة على التفكير، وإيجاد الكلمات التي يمكن أن تعبَّر عن كبر الفقد، ويشفي ما يجيش في الصدر من الحزن والأسى، ولا تستطيع إلا التمتمة بكلام غير مرتب ولا مفهوم وكلمات مبهمة لا ترابط بينها.
نعم هذا ما حصل عندما بلغني خبر وفاة أخينا الأكبر ونسيبي (
سعيد بن عبوش -رحمه الله-) .. وعندما شاهدته مسجى في مغسلة الأموات، مرت بذهني سنوات العمر التي عشناها، فقد تربينا في بيت واحد، كنت وعبد الرزاق ثنائي الشقاوة، وكان لنا نعم الأخ والصديق والمربي لا يبخل علينا بتوجيه ولا نصيحة يراها في مصلحتنا ..
أثناء رعينا للغنم أو شغلنا في المزارع كنا نخشى أن يفاجئنا، ونحن لاهون فقد كانت هيبته في نفوسنا كبيرة ..
غادر الديرة للبحث عن الرزق قبلنا بسنوات وفرقتنا ظروف الحياة وانشغال كل منّا في مسار خاص به لكن لم يزل الود والمحبة ورابطة الأخوة تشدنا لبعضنا، وكانت رسائله تصلنا باستمرار وفيها النصائح، والحث على الاهتمام بالدراسة، وبذل الجهد للحصول على النجاح والتفوق..
وكان من قدر الله أن اجتمعنا في منطقة واحدة للعمل، واستمرت اجتماعاتنا وتواصلنا مع بعض ..
جاء الموت الذي يفرق بين الأحبة.. إنه القدر الذي يعلم الجميع بحتمية حدوثه للجميع، ولا نملك إلا الدعاء له بالرحمة والمغفرة، وأن يجمعنا به ووالدينا، ومن فقدنا في جنات النعيم.
والحمد لله رب العالمين.


– الدمام

ذو القعدة 1444 هـ الموافق مايو 2023 م .

...............

نشر في صحيفة مكة الإلكترونية على الرابط :

https://www.makkahnews.sa/5354939.html

إنتقل أخونا سعيد بن محمد عبوش إلى رحمة الله يوم الإثنين 22-5-2023 م الموافق 2-11-1444هـ.


الجمعة، 12 مايو 2023

عيد رمضان ..

 عيد رمضان

 
قال الشاعر :
العيد عايد لا محالة على الناس *** لكن من العايد على العيد منا

تحدثت في مقالات سابقة عن بعض العادات والأحداث في زمن مضى قبل نصف قرن عن انتظار شهر الصيام شهر رمضان واستعداداتهم له ثم عن مشعال العيد بعد رؤية هلال شهر شوال ، وفي هذه العجالة سأتطرق إلى عيد رمضان واستعداداتهم له وهو عيد الفطر حيث كانت التسمية الغالبة قديماً ( عيد رمضان).
لم يكن استعدادهم للعيد هيناً خاصة على رب الأسرة في زمن طغى عليه ضيق ذات اليد وعدم وجود ما يكفي للحاجة عند كثير منهم خاصة من لديه عائلة كبيرة وأطفال صغار حيث يبدأ رب الأسرة في التفكير والتخطيط منذ بداية السنة لكسوة العيد لجميع العائلة كبيرهم والصغير ذكورا وإناثا فلم تكن تتيسر الكسوة إلا مرة واحدة في العام يجعلونها لعيد رمضان وتغطي الفترة إلى العام التالي بمناسباتها المختلفة وعلى كل منهم المحافظة على مالديه ويستخدم البالي من العام السابق .
يتعامل الناس مع أحد الخياطين لملابس النساء وهم قلة فيتفق معه على ألبسة عائلته التي يختلف تطريزها باختلاف السن وتوفر المادة لدى أرباب الأسر حيث كان أغلبهم يداين الخياط بانتظار ثمرة المزارع ولعل بعضهم سبقه الموت قبل أن يسدد للخياط ثمن ما صنعه لكن في مثل هذه الحالة يأتي دور التكافل الاجتماعي و ( الشيمة ) بين الناس لتسديد مثل هذه الديون ، أما الأولاد فيشتري لهم قماشا لايكاد يكفيهم لكن ( الجود من الموجود ) فيعطي هذا القماش لأحد الأشخاص الذي يمتلك مكينة خياطة لخياطة ملابس الأولاد ليقوم بذلك ، فينتظر الجميع أواخر شهر رمضان لاستلام ملابسهم والقيام بقياسها ليتأكدوا أنها ملائمة لفرحة العيد وللاستخدام سنة قادمة فتغمرهم الفرحة جميعا رغم أن ملابس الأولاد يرى فيها العجائب فأحدهم ثوبه قصير والأخر خياطه باللون الأحمر بينما القماش أبيض وبعضهم تجد أحد أكمام الثوب أطول من الآخر لكن ليس لهم إلا الرضا بما قسم الله لهم ، وفي حالة ملابس النساء فليس هناك مشاكل كثيرة في مقاساتها حيث السعة بأن تكون فضفاضة و يغلب عليها اللون الأسود أو الأحمر ، ويشترى لهن بقية اللبس من شيال ومعاصب - المعصب قطعة قماش أصفر تربط به المرأة رأسها فوق الشيلة - وسراويل طويلة وقطعة قماش تسمى ( حوكة ) تلبسها فوق الثوب ( الفستان ) لتغطي أرداف المرأة ولعلي أشير هنا إلى أن هذا الفعل من شدة حياء المرأة وعفافها حتى لا يرى الرجال تفاصيل جسدها رغم تفشي الجهل .
قال ابن خُرمان :
ونأتي إلى ليلة العيد أو الليلة السابقة له حيث تزيد الحركة وترى البيوت كأنها خلية نحل فتلك المرأة تضع الحناء على أيدي بناتها ويديها ، والأخرى تنظف البيت استعداداً للعيد ، وهناك التي تجهز الحطب استعداداً لطبخ وجبة العيد ، وتسمع الأهازيج التي تقال في مثل هذه المناسبات ومنها :
يا عيد يا عوّاد يا أبو العوايد
لهمتني ( ذكرتني ) الحنا ونظم القلايد

وعند صلاة الفجر يستيقظ الجميع لأداء صلاة الفجر ثم صلاة العيد . و بعد صلاة العيد التي تقام في المشهد ( مصلى العيد ) حيث يجتمع للصلاة فيه الرجال من جميع القرى المتقاربة يعود كلٌ منهم إلى منزلة لمعايدة أهله وتجهيز العيد استعداداً لمرور المعيدين من الجماعة.
كان الأقارب يجتمعون بأعيادهم في منزل كبيرهم تخفيفا على أهل القرية عند التنقل بين المنازل للمعايدة . تبدأ المعايدة في القرية بتجمع الأطفال لابسين حللهم الجديدة فرحين بها يتنقلون من بيت إلى بيت مشكلين صفوف عرضة يتغنون بأهازيج العيد كقولهم :
الله يعيدنا رضاه
والستر هو والعافية

وعندما يدخلون المنزل الذي به العيد يسلمون قائلين : السلام عليكم ، ومن العايدين
فيرد أصحاب المنزل : عليكم السلام وتعودون له من السالمين
يأكل الأطفال من كل طبق قليلا ليتركوا سعة في بطونهم لبقية أعياد القرية ، ثم ينصرفون قائلين : عاد عيدكم ، ويرد عليهم أصحاب العيد : تعودون له من الفايزين ، وهكذا يتنقلون من بيت إلى بيت تغمرهم الفرحة والسعادة ، يتلو الأطفال في تنقلهم الكبار يتجمعون في بيت أحدهم ويتنقلون في بقية البيوت مع بعضهم البعض لمعايدة جميع أهل القرية ، وأخيراً يأتي دور النساء اللائي يتنقلن مجموعات لمعايدة أهل القرية .
من عجائب العيد ذلك الزمن أن ترى الأطفال فرحين يغنون ويعرضون كل منهم في غاية السعادة بلبسه الجديد رغم أن بعضهم كما ذكرنا ملابسه خياطها بالأحمر أو الأسود والثوب أبيض ، والبعض لا يوجد لثوبه أزارير بل كان المشبك يزرر ثوبه ، والبعض يستخدم أعواد الخشب الصغيرة بدلاً عن الأزارير لكنهم يصنعون سعادتهم بالموجود .
بعد المعايدة يعود الجميع إلى منازلهم وغالبا ما يكون هذا بعد أداء صلاة الظهر ، ثم يرتاحون إلى بعد صلاة العصر ويجتمع الرجال في مكان الحفل المتفق عليه في القرية لأداء العرضة حيث يجتمع رجال القرى المتقاربة فتقام العرضة إلى قبيل المغرب وينتهي العيد حين ذاك حيث سيكون اليوم الثاني وما بعده قيام الرجال بالتوجه إلى قريباتهم في القرى الأخرى للسلام عليهن ومعايدتهن .
لم يكن الاحتفال خاصاً بالرجال فالنساء يتجمعن أيضاً في أحد البيوت الواسعة لأداء اللعب الخاص بهن لابسات ملابس العيد في أجمل منظر لهن فالفرحة تعم الجميع .
قد يتساءل البعض ماذا عن الحلال من غنم وبقر وهنا نوضح أن لكل قرية حمى معقود طوال العام لا يسمح لأحد بالاعتلاف أو الاحتطاب منه أو الرعي إلا بعد أن يسمح بذلك العريفة والموامين وكبار رجال القرية ، فيجتمعون إحدى الليالي أواخر رمضان فيقررون أن يوم العيد وربما يضيفون اليوم الثاني يسمح للجميع باطلاق حلالهم في الحمى ويعتبرونه عيداً للحلال كذلك فيقوم الأهالي بسوق مواشيهم فجر يوم العيد إلى الحمى ويستعيدونها قبيل غروب الشمس .
أما بالنسبة للمزارع إذا كان وقت حماية الخريف من الطير فيتركونها دون حامي يوم العيد قائلين هذا يوم العيد حتى للطير.
قال ابن خُرمان:
كانت الحياة صعبة وقاسية وكان الناس يصنعون سعادتهم بالموجود لديهم ، ونحمد الله الذي أنعم على هذه البلاد بنعم كثيرة أهمها الأمن والأمان في ظل قيادة محبوبة من الجميع وحدت الأشتات وعدلت بين المواطنين . و الله ولي التوفيق.
 
كتبه /علي بن ضيف الله بن خُرمان الزهراني
الدمام
شوال 1444 هـ / مايو ٢٠٢٣ م .

......................
نشر في صحيفة النهار السعودية على الرابط :
https://www.annahar-news.com/news/single/1182

عروس الصحافة ..

 عروس الصحافة 


عشتُ معها من حين ولادتها وتابعتها تحبو ثم تخطو خطواتها الأولى، وشاركت بحمد الله في رعايتها، والعمل على تنميتها وتكبيرها منذ بواكير وقتها وكم كانت سعادتي تزيد كلما رأيتها تتصدر المشهد رغم صعوبة المنافسة وقدرات المنافسين التي لا تُقارن بقدرات هذه المولودة (صحيفة مكة الإلكترونية)؛ حيث بدأت في فترة وجود منتديات الإنترنت التي كان لها صولات وجولات في عالم السياسة والثقافة كما كانت الصحف الورقية لا تزال في أوج سطوعها.
بدأت صحيفتنا التي شبهتها بالعروس بدايات متواضعة كان لرئيس التحرير الأستاذ/
عبدالله بن أحمد الزهراني جهود كبيرة، وكان له رؤية مستقبلية لا تخطئها العين عن مجال الصحافة والنشر الإلكتروني؛ فقد بدأ بتأسيس منتدى إنترنت نجح نجاحًا كبيرًا، وحين توقع ببصيرته النافذة أن مصير المنتديات آيل للأفول، اتجه مباشرة لتأسيس هذه الصحيفة المباركة في المدينة المباركة قبلة المسلمين ثم سارع بتسجيلها رسميًا في وزارة الإعلام، وابتدأ العمل واستقطاب الكتاب ومتابعة الأخبار عن جميع مناطق المملكة؛ خاصة منطقة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة تحديدًا.
كتبت هذه النبذة عن صحيفتنا الغالية بعد أن شاهدت خبرًا عن قيام معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد الشيخ الدكتور
عبد اللطيف بن عبد العزيز آل الشيخ بتكريم صحيفة مكة الإلكترونية في الحفل السنوي الذي تنظمه الوزارة لتكريم المشاركين في أعمالها خلال شهر رمضان المبارك لعام 1444هـ نظير جهودها في تغطية برامج وخطة الوزارة، يُضاف لهذا حديث معالي وزير الحج والعمرة السابق د. محمد صالح بنتن الذي ذكر فيه أن صحيفة مكة الإلكترونية لها السبق والريادة في خدمة ضيوف الرحمن.
لم يكن هذا التكريم الأوَّل لصحيفة
مكة الإلكترونية بل سبقه التكريم عدة مرات في السنوات الماضية من الجهات المعنية عن مشاركاتها الناجحة والمميزة في مواسم الحج السنوية، ثم إن التكريم المعنوي ما نشاهده من مقالات لكبار الكتاب، والذين كانت الصحف الورقية تتسابق للحصول منهم على هذه المقالات وبمبالغ عالية، ولولا ثقتهم الكبيرة في نجاح وانتشار هذه الصحيفة لما خاطروا بأسمائهم الكبيرة في عالم الثقافة والإعلام، وكتبوا المقالات لصحيفة مكة الإلكترونية.
إنني وببالغ السعادة أزف تهنئتي بهذا النجاح الباهر لصحيفتنا الغراء إلى الأستاذ/
عبدالله بن أحمد الزهراني رئيس التحرير وجميع زملائه العاملين بكل همة ونشاط في تحقيق السبق في عالم الصحافة، وأدعو الله جل شأنه أن يوفقهم، وأن نرى صحيفتنا الحبيبة في مقدمة ركب الصحافة العالمية.
والله ولي التوفيق…

كتبه /

علي بن ضيف الله بن خُرمان الزهراني

الدمام

شوال 1444  هـ الموافق مايو 2023 م.


..................

نشر في صحيفة مكة الإلكترونية على الرابط :

https://www.makkahnews.sa/5351720.html



الجمعة، 14 أبريل 2023

واحتملته على كتفي وعوّد يقول اتعبتني

 بسم الله الرحمن الرحيم


يعاني الناس في حياتهم وتتنوع آلامهم، وتكثر الجراح التي يُصاب بها الإنسان منها جراح في الجسم إما لمرض أو إصابة معينة أو مشاكل حلت عليه، وجميع هذه الآلام والجروح يمكن معالجتها والاستشفاء منها إلا نوع من الجروح، وهو جرح المشاعر وكسر الخواطر فمهما تقادم عليها الزمن وحاول الشخص تناسيها لا بد أن يبقى لها في القلب ندوبًا لا يمحيها الزمن ولا تزول من الذاكرة، وقد يحاول البعض التغاضي وتجاهل الأمر لكنه كلما قابل من جرحه وإن ابتسم في وجهه تعود له آلام ذلك الجرح العميق في النفس.
وقد أمر ديننا الحنيف بمراعاة مشاعر الناس؛ حيث ورد في القرآن الكريم الأمر في آيات منها قول الله تعالى في سورة الضحى (
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ)، وقوله تعالى في سورة النساء (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا). وتزخر سيرة المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- بالعديد من المواقف التي كان يهتم فيها بمراعاة مشاعر الناس منها على سبيل المثال عند وفاة رأس المنافقين عبدالله بن أبي بن سلول أتى ابنه الصحابي الجليل عبدالله -رضي الله عنه- فطلب من الرسول قميصًا يكفن به والده فأعطاه، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه عند إسلام عكرمة بن أبي جهل فيما معناه (يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنًا مهاجرًا، فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي، ولا يبلغ الميت)، وغير هذا من القصص التي لا يتسع المجال وطبيعة المقال لذكرها.
قال ابن خُرمان
: وفي الأدب العربي شعره ونثره كمٌ من القصص والأبيات عن كسر الخواطر وجرح المشاعر وتأثيرها على الإنسان، ولعلنا نورد هنا بعضًا منها قال الشاعر:
كم باسم والحزن يملأ قلبه * والناس تحسب أنه مسرور
وتراهُ في جبر الخواطر ساعيًا * وفؤادهُ متصدع مكسورُ

وقال آخر:

النَّفْسُ تَأْنَفُ دَوْمًـــا مَـــنْ يُكَدِّرُهَـــا * لَا يَرْتَضِـــي أَحَـــدٌ عَيْشًـــا بِأَكْـــدَارِ

مَنْ يَدَّعِي الْعَيْشَ فِي قَلْبٍ وَيُحْرِقُهُ * كَمِثْلِ مَنْ يُضْرِمُ النِّيرَانَ فِـــي الدَّارِ
ويزيد الألم والمعاناة كلما كان السبب من قريب فالطعنة تكون أشد ألمًا، وقد حذر أحد شعراء النظم الشعبي من كسر الخواطر بقوله:
ما تربينا على كسر الخواطر * لو خواطرنا من العالم تكسر
امزحوا في كل شي الا المشاعر ** جرحها يبطي ويمكن ما تجبر

قال ابن خُرمان:
ونستمر مع الشعر حيث قال الشاعر السوري فاضل أصفر:
وأفقرُ الشِّعرِ شِعرٌ ما به عِظةٌ * وأثمنُ الشِّعرِ ما يُبنى على الحِكَمِ
فننتقل إلى شعر الشقر فنتوقف عند شاعر الحكمة الشاعر الكبير صالح بن محمد اللخمي الزهراني والذي سطر في شعره العديد من الحكم والنصائح وفي عدة مواضيع والتي حفظها محبو شعر الشقر، ويتناقلونها ويستشهدون بها منها قصائد عن (الصديق، والكفالة، والمهور، والجار، وتغيرات الزمن وغيرها)، ونختار له في موضوعنا هذا القصيدة التالية:
كل كسر يطيب إلا كسور الخواطر ما تطيب
والكلام القبيح أمضى من السيف ما تبرا جروحه
والرضا ما يجي من واحد ضيقه أكبر من رضاه
ابغي اقدم المعروف لكن وين القى جزا له
في زمان الجفا حتى اقرب الناس ما يتمعرفون
كم تحملت من ظلم اقربانا ومن غدر اصدقانا
والمصيبة ان رميات القفا ما تجي الا من صديق
بعضهم يوم صافحته بكفي يقول اتعبت ايادي
واحتملته على كتفي وعود يقول اتعبتني

ورغم وضوح القصيدة إلا أنني سأقوم هنا بإلقاء نظرة على ما ورد فيها فالشاعر ابتدأها بالقول:
كل كسر يطيب الا كسور الخواطر ما تطيب
والكلام القبيح امضى من السيف ما تبرا جروحه
والرضا ما يجي من واحد ضيقه اكبر من رضاه

التنبيه هنا إلى أن جميع الكسور في العظام أو الجروح التي تصيب الإنسان يمكن معالجتها فيما عدا كسر الخواطر لا يمكن الشفاء منها مهما تقادم الزمن؛ حيث إن جرح اللسان أشد وقعًا من جرح السيف، ويذكرنا هذا بقول الشاعر:
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى * وتبقى حزازات النفوس كما هيا
ثم يذكر الشاعر وحسب طبيعته أنه يرغب ويتمنى تقديم المعروف لكنه في هذا الزمن يصطدم بعقبة عدم تقدير هذا الأمر حتى من الأقرباء ناهيك عن البعيدين، ويزيد أنه عانى كثيرًا من ظلم الأقرباء وغدر الأصدقاء بل يؤكد أن أكثر ما يُعانيه طعنات الغدر في الظهر ممن يعتبرهم أصدقاء:
ابغي اقدم المعروف لكن وين القى جزا له
في زمان الجفا حتى اقرب الناس ما يتمعرفون
كم تحملت من ظلم اقربانا ومن غدر اصدقانا
والمصيبة ان رميات القفا ما تجي الا من صديق

وكأن اللخمي هنا يؤكد قول الشاعر:
وإخوان اتخذتهمُ دروعا * فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهمُ سهاما صائبات * فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا: قد سعينا كل سعي * فقلت نعم ولكن في فسادي
وقالوا: قد صفت منا قلوب * لقد صدقوا ولكن عن ودادي

ثم يختم شاعر الحكمة اللخمي قصيدته بشرح حاله مع بعض الأصدقاء الذين يعتبرون كل ما يقوم به الشاعر أو يقدمه لهم يقع بسببه الضرر عليهم حتى وإن حملهم على أكتافه، كل هذا بسبب الحقد الذي تكنه قلوبهم:
بعضهم يوم صافحته بكفي يقول اتعبت ايادي
واحتملته على كتفي وعود يقول اتعبتني

ختامًا: نسأل الله تعالى أن يصلح شأننا كله، ويحسن عملنا، ويكفينا شر الحاقدين والحاسدين.


كتبه /

علي بن ضيف الله بن خُرمان الزهراني

– الدمام

رمضان 1444 هـ الموافق ابريل 2023 م .

..............

نشر في صحيفة مكة الإلكترونية على الرابط :

https://www.makkahnews.sa/5346811.html


مشعال العيد

 بسم الله الرحمن الرحيم


تقول الشاعرة تماضر بنت عمرو المعروفة بالخنساء رحمها الله ضمن رثائها لأخيها صخر :
وإن صخراً لتأتم الهداة به *** كأنه علم في رأسه نار
شبهته بالنار التي توقد رأس جبل في ظلام الليل ليراه سُراة الليل فيتجهون إليه .
وبهذه الطريقة كان الناس في منطقة الباحة قديماً يتناقلون خبر ظهور هلال شهر شوال  وبداية العيد بإشعال المشاعيل رؤوس الجبال.
تكلمت في مقال سابق عن استعدادات الناس لدخول شهر رمضان وطريقة صيامهم في زمن يغلب عليه الشقاء وضيق ذات اليد ، وهنا سأتحدث عن الاستعدادات للعيد في ذلك الزمن.
روي لنا من كبار السن الذين أدركناهم - رحمهم الله – أنهم وقبل ظهور الراديو كانوا يجمعون الأحطاب على مدى شهر رمضان ويزيد الاهتمام من بعد منتصف الشهر ويوضع في مكان معروف بأعلى قمة جبل في القرية خاصة ما يشرف على تهامة – هنا أتكلم عن قرى الشعف الواقعة في جبال السروات – وفي آخر يومين من الشهر يرص الحطب بطريقة معينة ويبنى ليرتفع عن سطح الأرض وقد يتجاوز ارتفاعه قامة الرجل ، ويقوم أبناء القرية بإقامة حراسات من شبابهم يتناوبون على حراسة المشعال حتى لا يحرق في غير وقته وربما يتسبب هذا في إفطار قرى بعيدة أخرى ويجتمع الرجال قبل غروب الشمس كلٌ منهم يأخذ إفطاره معه عند المشعال من قبل المغرب ليتراءون الهلال وعندما يتأكدون من ظهور هلال العيد يتخذ كبار القرية ومن بيده الرأي القرار فيتم إشعال المشعال ويحتفلون بالعرضة والرماية وتشاهد الجبال في جميع القرى منارة بالمشاعيل منهم من شاهد الهلال ومنهم من اعتمد على مشاعيل الآخرين وتعم الفرحة الجميع بانهائهم شهر الصوم واستعداداً للعيد هذا ما كان يفعله الناس قديما وربما يفوق هذا السبعين عاماً مع أن البعض لا يزال يحيي هذه العادة حاليا إحتفالاً ومتعه .
قال ابن خُرمان : أما مشاهداتنا وما كنا نفعله في طفولتنا فقد كان الراديو موجوداً ولم يعد للكبار اهتمام بالمشعال وأصبحت تلك مسؤولية الأطفال يبدأ جمعهم للحطب منذ منتصف شهر رمضان وربما قبل ذلك ، ويختارون الأشجار والنباتات سريعة الإشتعال مثل العرفج والنيم والشث والعثرب وغيرها، يقومون بتكويم أحطابهم التي يجمعونها في مكان متفق عليه داخل القرية فلم يعد الهدف إبلاغ القرى المجاورة بالعيد وإنما هدفهم الاحتفال فقط .. وكم تكون فرحة الأطفال كبيرة باجتماعهم وعرضتهم حول المشعال الذي لا يشعلونه إلا عند إعلان نهاية شهر رمضان وثبوت رؤية هلال شوال وربما شاركهم بعض الكبار تشجيعاً لهم .. وقد يحدث أن يكون لدى بعض الأطفال طراطيع وهم قلة خاصة من لهم أقارب في المدن سبق وأن أحضروها لهم،أما البقية فبعضهم يستخدم أعواد الكبريت بلفها في قصدير وتضرب بالأحجار فيكون لها أصوات قوية تسعد الأطفال وتشجعهم في احتفالاتهم والتي تستمر ما يقارب الساعة يعود الأطفال بعد إنطفاء النار إلى منازلهم ليخلدون للنوم استعداداً للعيد حتى أن بعضهم ينام دون عشاء بسبب التعب فهو طول اليوم السابق يعمل ويضاف إليه تعب الإحتفال .
ختاماً:هذه نبذة موجزة عن تجهيز المشعال والإحتفالات برؤية هلال شهر شوال والذي كانوا يطلقون عليه شهر ( الفطر الأول ) .
نسأل الله أن يديم علينا نعمه ويمنعها من الزوال.
 
 
دونه/
علي بن ضيف الله بن خُرمان الزهراني

الدمام
رمضان 1444 هـ الموافق ابريل 2023 م.
............................

نشر في صحيفة النهار السعودية على الرابط :
https://annahar-news.com/news/single/638