ملاذ ليل
تعتبر مدينة جدة من أبرز مدن المملكة
وأكثرها حيوية وتأثيراً وتمتاز بموقعها الجميل على ساحل البحر الأحمر مما جعلها
مدينة سياحية منذ القدم وملتقى ثقافات وحضارات ، مدينة سحرت أفئدة ساكنيها مما
جعلها المدينة الأولى في نظر كل منهم . تغنى بها عدد كبير من الشعراء وكتب عنها العديد من الأدباء لعلنا نتطرق
إلى القليل مما قيل . عندما يُكتَب عن جدة لا يمكن تجاوز ماقاله العاشق لمدينة جدة
الشاعر الكبير حمزة شحاتة الذي قال عنها أجمل الشعر ودرة القصائد التي تتردد على ألسنة كل من يرغب الحديث عن جدة يقول
فيها :
النهى بين شاطئيك غريق
والهوى فيك حالم ما يفيق
ورؤى الحب في رحابك شتى
يستفز الأسير منها الطليق
إيه يا فتنة الحياة لصب
عهده في هواك عهد وثيق
ويذوب الجمال في لهب الحب
إذا آب وهو فيك غريق
فيك من بحرك الترفق والعنف
ومن أفقك المدى والبريق
إلى أن يقول:
أنت دنيا رفافة بمنى الروح
وكون بالمعجزات نطوق
جدتي.. أنت عالم الشعر والفتنة
يروي مشاعري ويروق
لي ماض لم أنسه فيك..قد
غص بشدوه غروبه والشروق
ولا ننسى الشاعر الكبير يحيى توفيق
الذي أطلق عليها ( غادة البحر ) فقال:
غادة البحر ماعشقت سواك
السني منك والبهاء بهاك
كم عرفت الهوى على شاطئيك
ورشفت الرحيق بين رباك
إيه يا جدة إن غربتني الليالي
ففؤادي يهيم فوق رباك
ياعروس الحجاز ليلك سحر
وجمال الوجود في مغناك
أما طلال حمزة فهو القائل في قصيدته
( جدة غير ):
ايه احب القاهره...بيروت وكازا
بس جده ياخي غير....جده ياخي ذكريات
ماضي وحاضر وآت...يكفي جده
انها شمس المدائن...وانها احلى
البنات
جده ذي مثل الغرق..
لا...
جده مثل العوم
جده مدينه حايره
بين السهر والنوم
..
..
إلى آخر قصيدته الرائعة .
وغير من ذكرت هناك عدد كبير من
الشعراء والأدباء الذيين كتبوا عن جدة هذه المدينة الحالمة الساحرة قديماً وحديثاً
.
قال ابن خُرمان:
لم تكن القصائد عن جدة حكراً بشعراء
الفصحى فلم تغب كذلك عن الشعر الشعبي وخاصة شعر العرضة الجنوبية شعر الشقر حيث
تكثر الحفلات التي تقام فيها فيتطرق لها الشعراء بحب واضح في قصائدهم ، وهناك عدد كبير
من الشعراء يعيشون في جدة ومنهم الشاعر الكبير صالح بن محمد اللخمي الزهراني الذي
انتقل إليها من منطقة الباحة في بداية العقد الثاني من عمره مكملاً دراسته حتى
تخرج والتحق بالوظيفة في نفس المدينة ولم يغادرها إلا فترات قليلة فهام بها عشقاً
وامتزج حبها بجميع جوارحه وفيها جميع ذكرياته وقال فيها القصائد منها ما يناقش بعض
الملاحظات التي يتمنى أن تزول وتتغير إلى الأفضل ، ومن القصائد ما يظهر للسامع مدى
حبه لهذه المدينة الغالية على قلبه ، وهنا في هذا المقال الوجيز نختار إحدى
القصائد التي تعبر عن هذا الحب وتبين الذكريات فيصفها أنها كانت المكان الذي يلتجئ
له عندما يعاني ويقضي لياليه في رحابها بل يصفها بالصدر الحنون تشبيهاً بالأم
الرؤوم التي يشعر الإبن عندما يستند لهذا الصدر بالرضا والراحة بعد العناء فيقول:
يامدينة جده كنتي لي في الماضي ملاذ
ليل
ثم يواصل في شرح مدى حبه وسعادته
عندما يعود إليها وكأنها نبع الماء القراح الذي يطفئ شدة الظمأ :
كنتي النبع الذي يطفي ظمأ روحي وغبها
ويشرح أن أجمل ذكرياته كانت في جدة
في شدة حرها وفي وقت دفئها واعتدال جوها :
بين نسناس الهبوب وبين لفحات الهجير
الغالي
كانت أجمل ذكريات العمر محسوبه
ليومها
وفجأة ينتقل بنا اللخمي إلى الوجه
الآخر الذي وجده مع مرور الوقت ودورة الزمن حتى أصبحت محبوبته هي سبب معاناته .!!
فيقول:
ثم دار الوقت دورة غيرت وجه الزمان
الماضي
وأصبحت مصدر همومي بحرها الدافي
وبرها
لماذا ؟!!
هل فقد الشاعر أليفاً؟!
هل هناك معاناة من هموم الحياة ؟!
لم يطل الشرح ، ولم تتضح الأسباب .!!
أما الردود فكان من الحكم التي
اعتدناها من الشاعر حيث يتكلم عن الفوارق بين الناس فشبهها بالفوارق بين الجبال
الشاهقة والأرض المنبسطة :
قال أبو عبدالله ما ودي يسيطر ع
الملا ذليل
الفوارق واضحة بين الجبال الشاهقة
والراحة
يا ضليل العقل جنب عني افكارك وغبها
ثم ينتقل إلى الصداقة والتي ينبغي
المحافظة عليها فالصديق الصدوق أشبه بالكنز الذي يجب المحافظة عليه فالشك بين
الأصدقاء والخيانة تسبب الفرقى ولا يمكن ترميم الصداقة مهما أقسم المخطئ وحاول :
والصداقة كنز ما يفقد لها غير الصديق
الغالي
وان تفرق شملها ما عاد يتحقق ليومها
والذي يحلف ثلاث ايمان ما عنده دليل
ماضي
خلها حتى نميز بين فاجرها وبرها
..
وهنا القصيدة كاملة بدعاً وردوداً
البدع:
يامدينة جده كنتي لي في الماضي ملاذ
ليل
كنتي الصدر الذي في حضنه أشعر بالرضا
والراحه
كنتي النبع الذي يطفي ظمأ روحي وغبها
بين نسناس الهبوب وبين لفحات الهجير
الغالي
كانت أجمل ذكريات العمر محسوبه
ليومها
ثم دار الوقت دورة غيرت وجه الزمان
الماضي
وأصبحت مصدر همومي بحرها الدافي وبرها
الردود :
قال أبو عبدالله ما ودي يسيطر ع
الملا ذليل
الفوارق واضحة بين الجبال الشاهقة
والراحة
يا ضليل العقل جنب عني افكارك وغبها
والصداقة كنز ما يفقد لها غير الصديق
الغالي
وان تفرق شملها ما عاد يتحقق ليومها
والذي يحلف ثلاث ايمان ما عنده دليل
ماضي
خلها حتى نميز بين فاجرها وبرها
قال ابن خُرمان :
هذه جدة وهذا حال عاشقيها يظهر لنا
في أقوالهم وأشعارهم وكتاباتهم .
حفظ الله وطننا وقيادتنا . والله ولي
التوفيق .
كتبه /
علي بن ضيف الله بن خُرمان الزهراني
الدمام
ذو القعدة 1447 هـ الموافق مايو 2026
م.
...............
نشر في صحيفة مكة الإلكترونية على الرابط
:
https://www.makkahnews.sa/5501830.html
