الجمعة، 31 مارس 2023

دعوة كريمة وشهر كريم

 دعوة كريمة وشهر كريم

 
سعدنا في أول يوم من شهر رمضان المبارك لعام 1444 هـ بصدور العدد الأول من صحيفة النهار السعودية والتي يقوم عليها مجموعة من المثقفين ومحترفي الإعلام وعلى رأسهم الأستاذ عبدالله الكناني ، وسر سعادتي أننا في هذا العصر المتسارع والمليء بما ينشر من الغث في الشبكات الإلكترونية وخاصة وسائل التواصل بحاجة ماسة إلى زيادة في الصحف الإلكترونية الرصينة التي تهتم بمصداقية الخبر ، وتهتم بالعقول وما ينتج عنها وما يغذيها من العلم النافع والمعلومة الصادقة . صحيح أن لدينا بعض الصحف الإلكترونية الجيدة بعضها يهتم بمناطق معينة وبعضها عام إلا أن الزيادة في هذا النوع من وسائل النشر فائدته للمتلقي كبيرة فالزيادة من الخير خير بإذن الله.
قال ابن خُرمان:
تلقيت دعوة كريمة من القائم على هذه الصحيفة بالمشاركة مع أنني لست كاتباً ولا أدعي شرفها وإن كنت أتمنى ذلك لكن احترام رغبة الأصدقاء الذين كرموني بهذا ويرون فيّ ما لا أراه يحتم عليّ المحاولة وتلبية رغباتهم وسأحاول الكتابة معهم كل ما سنحت لي الفرصة وساعدتني الظروف ولعله من المناسب في هذا المقال وبمناسبة صدور الصحيفة في شهر رمضان المبارك أن أتطرق على عجالة إلى معاناة الصيام في القرى قديماً وسأتحدث عما شاهدته شخصياً قبل ما يزيد عن نصف قرن .. حيث كنا في قرى لا كهرباء فيها والطرق المتوفرة غير معبدة والسيارات في القرية والقرى المجاورة تعد على أصابع اليد الواحدة.
تبدأ الاستعدادات لشهر رمضان من شهر شعبان والذي كان يطلق عليه ( شهر قُصيّر ) حيث يبدأن النساء في جمع الأحطاب من الأودية وتكويمها حول منازلهم الحجرية ، وفي أواخر شعبان يقوم المقتدرمن القرية بذبح خروف من أغنامه لأهل بيته ولا ينسى جيرانه أما الذين لا يستطيعون وربما لا يملكون أغناما وهم الأكثرية فيشتركون في ثمن ثور أو بقرة يذبحونها ويتقاسمونها بينهم كل حسب المبلغ الذي تمكن من دفعه مشاركة في ثمن الذبيحة وربما يتشارك فيها خمسون بيتا وتسمى ( شِرْكة ) وعلى أهل البيت أن يتصرفوا في نصيبهم بطريقة تكفيهم شهر رمضان أو أغلب أيام الشهر مما يعني للبعض الإكتفاء برائحة اللحم .
يتراءى الناس هلال رمضان في نهاية شعبان  وينتظرون الخبر الرسمي في الإذاعة فتطلق الأعيرة النارية لإبلاغ من لم يعلم ثم يخلد الجميع للنوم بعد صلاة العشاء نظراً لما عانوه في النهار ، وتقع المسؤولية على ربة البيت في تجهيز السحور في وقته وإيقاظ الجميع وكانت المسؤولية كبيرة فلم تكن الساعات متوفرة فتضطر إلى أن تستيقظ عدة مرات في الليلة الواحدة لتراقب النجوم التي ينبغي أن تبدأ عند مشاهدتها في تجهيز السحور وإيقاظ أهل المنزل .. كم كانت المعاناة التي يعانينها كبيرة  - رحمهن الله - أما نحن كأطفال كنا نصر على أن يوقظونا للسحور فنستيقظ بصعوبة بالغة حتى أن أحدنا ينام أثناء الأكل وربما يدخل لقمته بجانب فمه بدلاً عن الفم ..
 بعد السحور وصلاة الفجر لم يكن هناك نوم فكل يتجه إلى عمله اليومي فمن  لديه مزارع يحرثها إذا كان موسم الحرث أو حماية المحصول من الطير إذا موسمه وغيرها من الأعمال ، و الصغار لهم دور وتقع عليهم مسؤوليات فإذا لم يكن موسم دراسة فمهمتهم رعي الأغنام بالتناوب مع المشاركة في بقية الأعمال..
يعود الجميع بعدها وقبل صلاة الظهر للصلاة ثم القيلولة أما النساء عليهن إحضار الماء في القرب على ظهورهن ..
وبعد أن يرتاح الجميع قليلا تبدأ رحلة ما بعد الظهر وقبل صلاة العصر ويسمى ذلك الوقت ( ثُوّارة ) وقد يكون المصطلح مأخوذ من ثورة البركان أو ثورة البعير وقومته وهنا يتحرك الجميع كلٌ إلى عمله المطلوب منه ويصلي أغلب الناس صلاة العصر في الأودية عند مزارعهم ومع أغنامهم . أما ربة البيت فتبدأ في تجهيز الفطور والعشاء فتشاهد القرى وكأنها اشتعلت فيها الحرائق فالدخان من كل منزل فلم يكن لديهم غاز أو وسائل طبخ سوى الحطب الذي تم تجهيزه كما ذكرنا من قبل.
 يعود الجميع قبل المغرب بما يقارب النصف ساعة يتجه الرجال إلى المسجد ينتظرون أذان وصلاة المغرب كل منهم يحمل معه تمرات يفطر بها عند الأذان ويحدث أحياناً أن يأتي بعض المقتدرين بكمية من التمر لإفطار المصلين وهذه كانت سعادة بالغة للأطفال الذين كانوا شبه صائمين وشبه محرومين من الإفطار مع الكبار عند الأذان مع أن لهم دوراً كبيراً في المساعدة في الرعي وشغل الزراعة ويضاف لهم دورٌ إعلامي هام عند أذان المغرب حيث يتفرقون في القرية يصيحون ( أذّن .. أذّن ) ليبلغون من لم يسمع الأذان فلم يكن هناك مكرفونات كما هو الحاصل الآن ..
 بعد صلاة المغرب يعود الرجال إلى المنازل وتجتمع العائلة على العشاء والذي غالباً ما يكون ( خبزة ومعرّق أو لبن وربما سمن أحياناً ) وقد يتساءل من لا يعرف الحال حينها ماذا عن الفطور؟! ولإيضاح ذلك فالفطور هي التمرات التي تناولوها عند أذان المغرب ، وبعد تناول وجبة العشاء يتحلقون حول الراديو لسماع ( أم حديجان ) وبعض البرامج وهم ينتظرون صلاة العشاء وبعد أداء الصلاة يتزاور الأقارب والجيران زيارات لا تتجاوز الساعة حيث يعود الجميع ليخلدوا إلى النوم في انتظار يوم جديد تتكرر فيه الأحداث.
هذا موجز بسيط جداً ليوم رمضان في القرى وفي زمن الطيبين كما يقول البعض والذي يتمنى من لم يجرب المعاناة أن يعود بينما العارفون به يتمنون عودة التآلف والتواصل والمحبة دون أن يعود الماضي بمعاناته وشقائه.
ختاماً : أسأل الله أن يديم على بلادنا الغالية أمنها وأمانها وخيراتها في ظل قيادتنا الرشيدة . والله ولي التوفيق.
 
كتبه/
علي بن ضيف الله بن خُرمان الزهراني
الدمام
8 رمضان 1444 هـ الموافق 30 مارس 2023 م.

...............

أول مقال لي ينشر في صحيفة النهار السعودية .

الأربعاء، 22 مارس 2023

القافري وطرق الجبل ..

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

قال ابن خُرمان:

تطرقت في مقالات سابقة إلى بعض من حياة الشاعر معيض بن يحيى القافري الزهراني وضمنتها في كتاب ( قال ابن خُرمان ) كما تحدثت عنه في كتابي عن ( الشاعر صالح اللخمي ) حيث يعتبر الشاعر معيض القافري من كبار شعراء زهران في عصره ، عاش جل حياته في القرن الثالث عشر الهجري وانتقل إلى رحمة الله في بدايات القرن الرابع عشر الهجري، لكنه لم ينل الشهرة الكافية لانشغاله بالحروب القبلية التي كانت قبل استتباب الأمن والأمان في ظل الدولة السعودية المباركة -أدامها الله - ، كما لم تسنح له الفرصة بالمشاركة في حروب زهران ضد الأتراك بسبب كبر سنه ومرضه حينها، ولم يصلنا إلا القليل من أشعاره لقلة الرواة عنه وعدم إهتمام المتأخرين بحفظ أشعاره قبل وفاة من كان يروي عنه . وسوف أحاول كلما تيسر لي الأمر نشر بعض ما حصلت عليه من قصائده والحديث عنها لعلها تكشف للقراء الكرام بعض الشئ عن هذا الشاعر الكبير.

يعد الشاعر القافري من شعراء القيفان والوسائل والتي تشبه النظم إلى حد كبير كما أن قصائد العرضة التي وصلتنا عنه يغلب عليها طابع الفخر والحماسة ولا تخلو من الحكم والنصائح مثل قوله في هذه الزملة القصيرة:

يا منديل أي جدنا مثل حيدٌ ما يشال

حل في الأطراف قبلك ولا حد شدده

الردود:

العواذر ما تجي إلا من أفواه الرجال

ما تجي فوق اسنمات الجمال مشددة

وفي هذه القصيدة رغم قصرها دعوة للخصم بقبول الصلح والإشارة إلى أن معطيات الإصلاح ليست في قيمتها المادية بالضرورة ولكنها بكلمة الرجال وقبولهم .

وله أيضاً بعض القصائد الجميلة على طرق اللبيني وطرق الهرموج وهي من الألحان التي كانوا يتغنون بها في غامد وزهران وما يجاورهما من القبائل ولعله يتيسر لي الأمر مستقبلأً أيراد بعضٍ منها.

قال ابن خُرمان:

يعتبر طرق الجبل من أهم الألحان التي كان يتغنى بها الناس وينظم عليها شعراء ذلك العصر فهو اللحن الجميل الذي يستطيع به الشاعر الخروج من قساوة الحياة وجفاف شعر العرضة إلى مجالات أخرى يغلب عليها طابع الغزل ، وكما ذكرنا في مقالات سابقة يعتبر الشاعر أحمد بن جبران - رحمه الله - ملك طرق الجبل المتخصص فيه ويكاد يشبه الشاعر العباسي العباس بن الأحنف لتخصصه في الغزل . أما شاعرنا معيض القافري – رحمه الله - مثله مثل شعراء عصره لابد أن يكون لهم قصائد على هذا الطرق ومنها القصيدة التالية :

البدع

السود من شاش(ن) ينشر ع البنادر

من كما الغربان واحنى

على الذي يترك صديقه ما يعوده

كم لي اتحرى وعوده

حليل من يرجي صديق(ن) له ولا جاه

 

الردود

ياغفر صيد(ن) من قرى عيسان نادر

فز من محنى لمحنى

ما يرتعي الا البقل لا ناضت جروده

يعجبه من لين عوده

قناصته ما عد لهم حظ(ن) ولا جاه

 

بدأ الشاعر قصيدته في الطرف الأول ( البدع ) بلوم محبوبته على انقطاعها عنه وأنه ينبغي أن ترفع السوداء والتي شبهها مثل سواد الغراب بل أكثر سواداً للصديق الذي يقاطع صديقه ، وقد كان من عادة الأولين رفع قماش أبيض تسمى البيضاء في الأسواق لمن يقوم بعمل مشرف بينما عكس ذلك قماش أسود لمن يقوم بعمل لا يليق وهذا ما عناه الشاعر هنا أن مقاطعة الحبيب غير لائقة خاصة بعد كثرة الوعود:

السود من شاش(ن) ينشر ع البنادر

من كما الغربان واحنى

على الذي يترك صديقه ما يعوده

ثم يذكر الشاعر أنه منذ مدة طويلة ينتظر وعوده بالمواصلة دون جدوى ، وأخيراً يتحسر على من يطول انتظاره دون فائدة فيقول:

كم لي اتحرى وعوده

حليل من يرجي صديق(ن) له ولا جاه

وكأنه هنا يذكرنا بقول العباس بن الأحنف :

إني لآمل أن أراك وإنني *** من أن أموت ولا أراك لخائف

 

وينتقل الشاعر في الطرف الثاني ( الردود ) إلى وصف الحبيب لكنه كعادة شعراء المنطقة يكني عنها بالصيد أو الغزال فيشبهها هنا بالغزال الذي شاهده نازلاً من جبل عيسان يتنقل بسرعة وخفة حركة من جهة لجهة ومن زاوية لزاوية واستخدم الشاعر في وصفه كلمة ( غفر صيدٌ ) كناية عن الستر والحشمة حيث أن  الغفر في لغة العرب تعني التغطية ومنه سمي المغفر لأنه يغطي الرأس :

ياغفر صيد(ن) من قرى عيسان نادر

فز من محنى لمحنى

وتشبيه الحبيبة بالغزال أو الظبي ورد في أشعار شعراء الفصيح فهذا قيس المجنون يقول:

أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني *** لك اليوم من بين الوحوش صديق

ويقول آخر:

فما كان إلا عن قليل وأشغفت *** بحب غزال أدعج الطرف أكحل

ويستمر القافري رحمه الله في وصف المحبوبة التي شبهها بالصيد الذي

( ما يرتعي الا البقل لا ناضت جروده ) أي عندما يرتفع عن الأرض قليلاً وذلك لأنه ( يعجبه من لين عوده )

وابن دريد  قال في مقصورته :

يا ظبية أشبه شيء بالمها *** ترعى الخزامى بين أشجار النقا

وأخيراً يذكر الشاعر القافري أن كل من حاول قنص هذا الغزال لم يتمكن فهو ليس الصيد السهل ولهذا تعلق به الشاعر :

قناصته ما عد لهم حظ(ن) ولا جاه

قال ابن خُرمان :

ليست هذه إلا محاولة لحفظ موروث قديم وفاء لشعراء فقدناهم - رحمهم الله - وعصر كان فيه الشقاء والمعاناة والتعب وجزالة الشعر دون أن يكون هناك من يدون هذا الإرث حينها.

والله ولي التوفيق.

 

كتبه /

علي بن ضيف الله بن خُرمان الزهراني

الدمام

12-3-2023 م الموافق 20-8-1444 هـ.