الأربعاء، 7 ديسمبر 2022

شعر الشقر وفاكهة الشتاء

بسم الله الرحمن الرحيم

 جاء الشتاء بغيمه متحجبا

أهلًا بسلطان الفصول ومرحبا

قال ابن خُرمان:
البيت السابق لأحد شعراء الأندلس أما في الجزيرة العربية؛ فإذا جاء الشتاء ومع حلول البرد خاصة في المناطق الجبلية والصحراوية يتجمع الناس وتوقد النيران حتى يعينهم دفؤها مع طيب الأحاديث والسمر على قضاء ليالي الشتاء الطويلة، وقد أطلق العرب على النار
فاكهة الشتاء حيث قال الشاعر:

النار فاكهة الشتاء فمن يرد
أكل الفواكه شاتيا فليصطل
إن الفواكه في الشتاء شهية
والنار للمقرور أفضل مأكل

وهناك من يستعد لدخول الشتاء بالملابس الثقيلة وجمع الأحطاب، وتجهيز المواقد وغيرها من الاحتياجات التي تُساعد الناس على اجتياز فترة البرد كقول الشاعر أبي الحسن بن سكرة:
جاء الشتاء وعندي من حوائجه
سبع إذا القطر عن حاجاتنا حبسا
كنٌ وكيسٌ وكانونٌ وكاس طلا
بعد الكباب وكسٌ ناعمٌ وكسا

فهذه السبعة الأشياء التي ذكرها الشاعر هي كل ما يحتاجه الشاعر لهذه المرحلة.
إلا أن المعاناة من دخول برد الشتاء تقع على بعض الفئات من الناس ككبير السن، وفي هذا قال الشاعرالربيع الفزاري:
إذا جاء الشتاء فأدفئوني
فإن الشيخ يهرمه الشتاء
وأما حين يذهب كل قرّ
فسربال خفيف أو رداء

كما يُعاني من برد الشتاء من لا يجد شيئًا، وقد يأتي على رأس القائمة اللاجئون والساكنون في المخيمات في مختلف الدول والفقراء المشردين في الدول ذات الطقس البارد، وقد أشار شاعر إلى مثل هذه المعاناة بالأبيات التالية:
جاء الشتاء وما في بيتنا حطب
ولا وقود يرد البرد إن هجما
إن العظام إذا ما البرد باغتها
تهتز راقصة والأنف قد زكما
لن تيأس النفس مهما العسر رافقها
فاليسر آت بإذن الله مبتسما

لكن الشاعر في هذه الأبيات لم يترك لليأس مجالًا لتثبيط الهمة رغم المعاناة؛ فاليسر قادم لا محالة.
قال ابن خُرمان:
وكما أن لشعراء الفصيح أشعارًا عديدة عن الشتاء إلا أن الشعر الشعبي تطرق إلى هذا، وسنضرب مثالًا بالقصيدة التالية على لون الشقر الجنوبي للشاعر أحمد بن إسحاق الزهراني؛ فهو يسكن في سراة الباحة، والتي تشتد برودتها في الشتاء مما لا يستطيع تحمله البعض فيضطرون للانتقال إلى مناطق أكثر دفئًا كالمنطقة الغربية والجزء التهامي في المناطق الغربية والجنوبية الغربية . .. فيقول في البدع:
أهل الهوى قفلوا باب المودة ولحوه
ما ريت منهم سوى نقمة وتعبة ولبشات
عاهدت بالله لابعد عن نظرهم ولا أعود
والحب والبغض بين الناس مالي يد(ن) فيه
ماضقت من دعوة الباطل ولا حلّفيها

بدأ الشاعر قصيدته كعادة شعراء الشقر بالبدع، والذي يعتبر فرشًا للردود والذي غالبًا ما يكون فيه غرض القصيدة، بدأ بتوجيه العتاب للحبيب الذي غلق أبواب التواصل معه، وأسرف في القطيعة ثم يوضح أنه لم ينل من هذا الحب سوى المشاكل والتعب النفسي؛ فيعاهد ألا يعود لذلك الحبيب بل سيقاطع حتى مشاهدته فلم يعد الشاعر يتحمل التنقل بين الحب والكره، والتي لا يد له فيها وما يُثار ليس سوى دعوات باطلة.
ثم ينتقل الشاعر إلى الردود، والذي فيه الشاهد على موضوع المقال فيقول:

إذا أقبل البرد ما ينفع تغلمط ولا أحوه
ولا بينفعك لو تقضي فراوي ولا أبشات
شبيت نار الحطب ما أبقيت منها ولا عود
وأدرى لهيب اللظى والعظم عيا يدفيه
ياليت لي في تهامة بيت واحل فيها

فيوضح أن البرد إذا أقبل في سروات منطقة الباحة؛ حيث يعيش الشاعر لا يفيد كثرة التلحف بالبطانيات ولا أصوات التوحوح(1) من شدة البرد، ولن يفيد شراء البشوت والفرى المصنوعة من الأصواف فالبرد من شدته دخل العظام حتى إن إيقاد النيران لم يكن له فائدة عند الشاعر فقد أنهى جميع الحطب الموجود عنده، ثم يأتي بالحل في البيت الأخير من قصيدته بأن يتمنى أن يكون له بيت في تهامة ذات الطقس الدافئ شتاءً ليقيم فيها بعيدًا عن البرد، ونكتفي بهذا وبما نراه في ظاهر القول دون الدخول في النيات والتقصي عن أهداف الشاعر الأخرى إن كان له أهداف كما يقال عن خبو الشعراء.

قال ابن خُرمان:
لعل ما كتبته هنا حول الشتاء وفاكهة الشتاء والأشعار فصيحها وشعبيها التي قيلت يفيد القارئ الكريم، والله ولي التوفيق.


كتبه / علي بن ضيف الله بن خُرمان الزهراني

الدمام 27 ربيع الثاني 1444 هـ الموافق 22 نوفمبر 2022 م.

#قال_ابن_خُرمان

.......................


[1]) وحوح الشخص: نفخ في يده من شدة البرد، وقال: أح أح. (معجم المعاني الجامع).

تم النشر في صحيفة مكة الإلكترونية على الرابط:
https://www.makkahnews.sa/5324002.html