الأربعاء، 13 مايو 2026

يا رفيقي لفيتك بالنقا

 

يارفيقي لفيتك بالنقا

 

يعتبر النقا من العادات والقوانين القبلية القديمة التي كانت متبعة وتطبق في قبائل زهران وغامد وربما في أغلب قبائل الجنوب فقد ذكر في كتاب الأدب الشعبي في الجنوب لمؤلفه محمد أحمد العقيلي من مطبوعات نادي جازان الأدبي أن النقا في جازان يتم بقتل القاتل أو أحد قرابته ويعتبر خلاصاً في المقتول ، وقد يحدث النقا بأن يقتل أحدهم ابنه في سبب بسيط من أجل بياض الوجه وسرد قصة عن رجل يدعى ( جابر حجل ) – أذكرها بتصرف واختصار - أنه قتل ابنه بسبب قيامه بسرقة ( جوفي ) نوع من الخناجر لأحد ضيوفه كان نائماً في منزله وعندما اكتشف أن ابنه السارق استشاط غضبا وأطلق عليه النار فأرداه قتيلا وأعاد الخنجر إلى صاحبها مما حدا بالشعراء إلى الإشادة بموقفه وقال في ذلك الشاعر أحمد علي خديش :

يا لابتي من كجابر يعرف النقا .. اللي يغدي الحندية([1]) في ساعة اللقا

مشهور بالفعال

وشيعته تمشي بلاد البر والبحر .. تاريخ سيرته

اللي ذبح ابنه على منقوص ( جوفيه )([2])

يا بريدي سير وصل لي ديرة امحقار .. مرّه على ( جابر ) وقل له عشت في سلام

ياللي ينجي الضيف والقصاد واليسار

من سايره يركن على حقه ويمشي الضوح والظلام ([3])

والناس تشهدي

من يوم قتل ابنه ومن يشا البيضا يشلها([4])

 

قال ابن خُرمان:

أما في منطقة الباحة أورد هنا ( بتصرف واختصار) ما ذكره الأستاذ علي بن سدران الزهراني في كتابه ( بطون قبيلة زهران ) أن النقا في الغالب اختيار عشوائي تختار القبيلة بموجبه أحد أفرادها الخاملين أو ممن لا ترغب في وجوده بينهم ليكون خلاصاً في من قتلته من قبيلة أخرى في غير ما حرب بينهما ، وهو شبيه بالقصاص إلا أنه يقتل غير القاتل الحقيقي ويتم هذا دون علم الذي اختارته قبيلته حيث يتفقون فيما بينهم ويبلغون أهل المقتول بخطة تصفية ذلك الشخص ، كما يطبق النقا على من يقوم بالقتل في سوق القبيلة متجاوزاً عقود السوق ([5]).

( وقد أبطل الملك عبدالعزيز رحمه الله هذه العادات بأن كتب لشيوخ القبائل بإبطالها وتطبيق الشرع )([6]) .

ولم يكن النقا بالقتل إلا عن الخلاص في مقتول أما الأمور والأخطاء التي دون القتل فنقاها حسب ما يقرره عرّاف وحكماء القبيلة وقد يتنازل صاحب الحق عن حقه وتبدى له البيضاء وهي قماش أبيض تنشر راية من المكان المقرر تشير إلى جميل صاحب الحق المتنازل.

قال ابن خُرمان :

هنا سأورد بعض القصص التي حدثت والقصائد التي قيلت في النقا فمن العادات التي كانت أنه إذا قُتل قتيل من قرية أو قبيلة فلا يهدأ لذوي المقتول بال حتى يأخذوا بثاره من قرية أو قبيلة القاتل وربما من شخص ليس له شأن ثم يقيمون عرضة بمناسبة النقا تقال فيها القصائد وهذه القصيدة للشاعر الكبير علي الغبيشي رحمه الله ([7])في إحدى هذه المناسبات .

البدع :

مرحبا واهلين يا عبدالله الأصنقا([8])

ما انت باصنق ما اصنق إلا من يكن له في الخلا صناقي([9])

فان ربي ما يخلي أعمى ولا خلا صنوقها

الرد :

ايل مقبل واحدٌ منهم غدا فصلٌ خلص نقا

قلت وانا ياهنا ياحي لي ياذا الخلاص الناقي([10])

مثل نمر لا عدا في العيس([11]) يا خلاص نوقها

امتدح الشاعر في البدع الشاعر المقابل ( عبدالله الأصنق ) ويصفه بالشجاعة والاقدام ، ثم ينتقل في الردود إلى مدح آل مقبل ويمتدح القتيلين بل يعتبر أن من قتل ثأراً أفضل من السابق ويشبهه بالنمر إذا هجم على الإبل.

وهذه القصة الأخرى و القصيدة وردت في الموروثات الشعبية([12]) أن شخصاً من آل سعيدان بني حرير أتهم بقتل آخر كان مصاباً بالجدري فالتجأ إلى قرية الحكمان من بني جندب خوفاً من القتل ثم عاد بعد فترة إلى قريته وأخلي الحكمان من مسؤوليته حيث ابدى لهم البيضاء فقُتل بعد ذلك ، فقام بني جندب بطلب النقا وفاء للشخص الذي استجار بهم إلا أن تدخل بعض كبار زهران ومعهم الشاعر الكبير محمد بن ثامرة رحمه الله أنهى المشكلة فقد برئت ساحة بني جندب فقد خرج المقتول برضاه بعد أن أبدى لهم البيضاء التي تبريء ساحتهم من المسؤولية كما أن قتله كان في قريته ، وقال الشاعر ابن ثامرة قصيدته التالية يمتدح في البدع قبائل بني عمر من زهران ويذكر وقوفهم مع بقية قبائل زهران في قتال الأتراك وفي الردود يذكر القضية والقتل وطلب النقا ثم يبين حكم عرّاف زهران والذي أرضى بني جندب :

البدع

مرحبا في مرحبا ياعُمريٌ يوفي البشير([13])

ما دريت انك رفيق بالمحبة غير من جِبارك ([14])

في العُرُش والفارعة يوم اقبل الطابور فاقته ([15])

صفنا يوم الثلاثاء ما لقيوا فيه مدّخل

كل قرنٌ قاسيٌ يوما صباح الفارعة حبيته([16])

والشيّم ما قط حلت كل راسٌ كانعٌ دنا([17])

يالله تسقي ديرة الشيمة بناوٍ ما ينش رشاش ([18])

ما دريت العُمري لا ضاق ضقنا وان رضيوا نرضا

يوم جو حتى حصى الديرة تقل يالله حيهم

لجل أن الجندبي في مذهبٌ قبله بني عمر([19])

الردود

قدر الله واحدٌ يجدر ويفنى من بني بشير ([20])

قالوا الدا والردا والشر والضر من علي امن امبارك ([21])

وغدا يدخل على الحكمان من فتنة رفاقته

وقعد شهرين عوّد يخرج الحكمان مالدخل ([22])

وقتل بعد اطلع البيضاء لجاره وصدر في بيته ([23])

قال بن زنان بانقا في دخيل كان عندنا ([24])

والله ان البيض فال الجندبي عالٌ ينشّر شاش

ماليمن والشام ومن البحر والمشرق وعرشٌ وارضا

فال حاضرهم وغايبهم وميتهم وحيهم

واجبٌ نكسي بها حتى شجر ديرة بني عمر

وهناك العديد من القصص والقصائد وردت في كتاب الموروثات الشعبية وفي غيره من الكتب التي تهتم بتاريخ وموروث المنطقة ، وسأكتفي بالقصتين التاليتين عن النقا فيما دون القتل حدثتا في بالحكم من بني كنانة إحدى قبائل زهران إحداها رويت لي من أحد المشاركين والأخرى رويت لي نقلاً عن معاصرين للحدث رحمهم الله جميعاً.

قام رجل من قبيلة أخرى([25]) بسرقة شاة كانت لجار عند بالحكم اسمه ( علي ) فذهب رجال من بالحكم واستولوا على ثور من تلك القبيلة وأخذوا معه شاة قادوها جميعا إلى جارهم ومن الطُرُف أنهم وجدوا في الطريق ثعبانا فأمسكوه حيا وقاموا بخياطة فمه وربطوه في قرون الثور ثم ركب أحدهم يدعى ( علي سيف ) رحمه الله على ظهر الثور واتجهوا إلى جارهم بعرضة قال شاعرهم هذه الزملة القصيرة :

يا علي جيت في شاتك بثور

يكتمل في العداد وفي المحر([26])

الرد :

جاك من رد خصمه في عثور

صفقاته كما صفق البحر

أما القصة التالية فقد حدثت بين بالحكم حيث تنقسم بالحكم في تهامة والسراة إلى فرعين هما أولاد علي وتشمل قرى ( دار المسيد والقفرة والخمر والقرنطة والصداق ) والفرع الثاني بالندا وتشمل ( العامية وقراها والقاسمة وقراها ) وكانوا مجتمعين دائما بفضل الله ، وقد حدث أن أُقيم حفل ولعب وعرضة في دار المسيد فاجتمع رجال بالحكم الموجودين للمشاركة في الحفلة وكان هناك جار من قبيلة أخرى عند القاسمة فقام بعض الشباب من دار المسيد لطيشهم بالاعتداء على هذا الجار فغضب أهل القاسمة ومن حضر من بالندا حماية لجارهم فانسحبوا من الملعبة ، حينها تبادر العقلاء من أولاد علي لمناقشة الأمر واعترفوا بخطأ الشباب المعتدين وكأن النابغة يصفهم بقوله :

ولا خير في حلم إذ لم يكن له  .... بوادر تحمي صفوه إن يكدرا

ولا خير في جهل إذا لم يكن له .... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

فتداولوا الرأي بينهم وقرروا أن يكون النقا ضرب رؤوس شابين من المشاركين في الخطأ بالجنبية ليظهر منها الدم ثم اتجهوا جميعاً إلى القاسمة بعرضة والشابان في مقدمة العرضة وأثر ضرب الجنبية و الدم يصب في ناصيتيهما وقال الشاعر (عارف بن محمد الزهراني رحمه الله ) هذه الزملة القصيرة  يشرح الوضع في البدع ويبين أن لهم مستقبلاً مثلما عليهم إن حدث مثل هذا ، وفي الردود يمتدح بالحكم وأنهم ذوي شجاعة وبأس:

يا رفيقي لفيتك بالنقا

ووراها السبل والسابلة([27])

الردود:

حي من يطلع ارياع الشقا

ومحاجي العدا متقابلة([28])

وبهذا انتهت المشكلة ورضي أصحاب الشأن وجارهم كذلك رحمهم الله جميعاً .

ختاماً :

ربما كانت هذه القوانين صالحة للزمن الماضي الذي لم يكن به حكومة تحفظ الأمن وتقيم العدل ، أما الآن نحمد الله الذي هيأ لنا هذه الدولة المباركة التي أحكمت الشرع وأزالت ما خالفه من قوانين ، ونسأل الله أن يحفظ على وطننا أمه وأمانه ويحفظ قيادتنا ووحدتنا . والله ولي التوفيق.

 

كتبه

علي بن ضيف الله بن خُرمان الزهراني

الدمام

ذو القعدة 1447 هـ الموافق مايو 2026 م .

 

.......................

نشر في صحيفة النهار السعودية على الرابط :

https://annahar-news.com/news/single/34053

 

.......

إضافة من الأستاذ محمد البيطار من العنق في قروب بني كنانة في الواتساب :

 

كذلك فيه قصة ربما لم ترد في الكتاب وهي عندنا في العنق ولد لمشهف قتل واحد من الفرعة في عقود السوق وتوزا في النصباء عند محمد بن معيض وكان شيخ القرية في ذلك الوقت وجلس بحماية الشيخ قرابت الشهر وبعدها استدرجه من هو في سنه حتى نقض حماية الشيخ حيث وقف في المسجد وأعلن بأن الشيخ ابيض وجه حاضرا ومستقبلا وبعدما وصل الي بيتهم اجتمع القبيلة وطلبوا من والده ان يقتله خلاص في المقتول وإلا يحرقون عليهم البيت وكل ما يملكون وفعلا  ربطه ابوه في الجرين وأطلق عليه الرصاص وقتله وقال قصيدته المشهورة

حيا الله من يعقل الطموحي

وا يثني المصعبه قيام

والرد يقول

والله يا محسن إنك روحي

غير دون الوجه ما نلام

أحببت ان اوردها لانه سمحت الفرصة لإن تقال

...



[1]) الحندية : الحدأة .

[2]) خنجر

[3]) من يساسره يطمئن ليلاً ونهاراً.

[4]) من كتاب الأدب الشعبي في الجنوب ؛ تأليف محمد أحمد العقيلي .

[5]) عقود السوق : المواثيق التي وضعت لذلك السوق .

[6]) كتاب بطون قبيلة زهران ؛ تأليف علي بن محمد سدران الزهراني.

[7]) الموروثات الشعبية ؛ تأليف علي السلوك .

[8]) شاعر من بني حرب المجاورة لتهامة زهران.

[9]) المقصود الجبان .

[10]) وانا ياهنا : تعجب ؛  ياحي لي : يالهذا الرجل ؛ الخلاص الناقي : الرجل البارز النطيف عالي المقام .

[11]) عدا في العيس : هجم على الإبل.

[12]) الموروثات الشعبية لغامد وزهران ؛ تأليف علي السلوك

[13]) عمري : نسبة لقبائل بني عمرمن زهران.

[14]) جِبّارك : وقوفك مع زهران في الحرب .

[15]) العرش والفرعة : مواقع القتال .

[16]) صباح الفارعة : موقعة الفرعة .

[17]) كانع دنا : خاضع والمقصود الجبان .

[18]) ما ينش رشاش : مطر مستمر لا يتوقف .

[19]) بني عمر : وثيق البناء .

[20]) يجدر : يصاب بالجدري .

[21]) علي امن امبارك : علي بن مبارك المتهم بالقتل .

[22]) عوّد : عاد ؛  الدخل : الاستجارة .

[23]) صدر في بيته : عاد إلى منزله .

[24]) بن زنان شيخ قبيلة بني جندب من بني عمر زهران .

[25]) حجبت اسم القبيلة احتراماً لهم و لحدوث القصة في زمن بعيد انتهى بفضل الله ثم الدولة السعودية رعاها الله .

[26]) من عدة الزراعة قديماً التي كانت تستخدم فيها الثيران .

[27]) السبل والسابلة : المساواة في الحكم إن حدث مثل هذا .

[28]) المحاجي : متاريس القتال .

الثلاثاء، 12 مايو 2026

وجوه صالح اللخمي بقلم الكاتب عبدالمجيد الزهراني

 

 

وجوه صالح اللخمي

بقلم

عبدالمجيد الزهراني ( * )


مليئة أرض جنوبنا الغالي الأخضر بأشجاره والأخضر بولائه، بكمّ هائل من الفنون القوليّة والأهازيج، ففي الجنوب الكل يغني، الناس والأطيار والأحجار، والطفل الجنوبي منذ ما قبل النفط، يبدأ حياته بالغناء، من أهازيج الرعاة وحتى الاصطفاف في حفلات الشعراء، الكل يغني.

 

طافت كل هذه الأشياء في الذاكرة وأنا أتصفح إصداراً جديداً للأستاذ علي ضيف الله الزهراني، عن شاعر العرضة القدير صالح اللخمي، هذا الإصدار الذي يعد بصدق وبلا مجاملة أو فذلكات وصفية، إضافة هامة لمكتبة الموروث الجنوبي.

 

صحيح أن اللخمي ليس الشاعر الأشهر في الجنوب بمقياس النجومية، لكنه وهذا الجميل، من أهم شعراء الجنوب، إذا ما أخذنا المعيار الأسلوبي، فهو قد اختط له مساراً منفرداً في تراكيبه اللغوية بل وحتى في مضامين قصائده، ودائماً ما يبرز الجانب العقلي والتأملي في طرحه.

 

الكتاب المرجعي الثمين هذا، حوى مسيرة 40 عاما لشاعر ملأ محافل العرضة الجنوبية بشدوه وألحانه وأوجاعه، وعينه الراصدة للأحداث وقراءة تلك الأحداث بعين الشاعر الحكيم، إضافة إلى كثير من محاوراته متنوعة الألحان والطروق مع أجيال مختلفة من الشعراء.

 

الذي لفت نظري بقوة في هذا الإصدار، هو أنه حتى وإن كان في مجمله يتناول الشاعر اللخمي إلا أنه في الحين ذاته، يعد مرجعاً توثيقياً لقصائد شعراء كثر مميزين في مجال العرضة الجنوبية، مثل ابن طوير والبيضاني وابن مصلح وعبدالواحد والشيخي وابن حوقان والدرمحي والكناني ورياض الخزمري، فكأنما هو عبارة عن فيلموغرافيا لأسماء وأجيال وقصائد متتالية الأزمنة، وكأنما كان اللخمي اختصاراً لكل تلك الأجيال، بل وكأن كل تلك الوجوه مرت من خلال وجه صالح اللخمي.



 

ـــــــــــــــ

* نشر المقال في صحيفة الوطن السعودية الخميس 18 يناير 2018 - 01 جمادى الأولى 1439 هـ

رابط التغريدة في منصة X :

https://x.com/majeedzhrane/status/955101482554150912?s=20

( * ) هو الشاعر والكاتب عبدالمجيد بن عقاب الزهراني ، له قصائد عديدة يتناقلها الناس لما تلامسه من همومهم ، كاتب في جريدة الوطن وبعض الصحف الإلكترونية .

الاثنين، 4 مايو 2026

ملاذ ليل ..

 

ملاذ ليل

 

تعتبر مدينة جدة من أبرز مدن المملكة وأكثرها حيوية وتأثيراً وتمتاز بموقعها الجميل على ساحل البحر الأحمر مما جعلها مدينة سياحية منذ القدم وملتقى ثقافات وحضارات ، مدينة سحرت أفئدة ساكنيها مما جعلها المدينة الأولى في نظر كل منهم . تغنى بها عدد كبير من الشعراء وكتب عنها العديد من الأدباء لعلنا نتطرق إلى القليل مما قيل . عندما يُكتَب عن جدة لا يمكن تجاوز ماقاله العاشق لمدينة جدة الشاعر الكبير حمزة شحاتة الذي قال عنها أجمل الشعر ودرة القصائد التي  تتردد على ألسنة كل من يرغب الحديث عن جدة يقول فيها :

النهى بين شاطئيك غريق

والهوى فيك حالم ما يفيق

ورؤى الحب في رحابك شتى

يستفز الأسير منها الطليق

إيه يا فتنة الحياة لصب

عهده في هواك عهد وثيق

ويذوب الجمال في لهب الحب

إذا آب وهو فيك غريق

فيك من بحرك الترفق والعنف

ومن أفقك المدى والبريق

إلى أن يقول:

أنت دنيا رفافة بمنى الروح

وكون بالمعجزات نطوق

جدتي.. أنت عالم الشعر والفتنة

يروي مشاعري ويروق

لي ماض لم أنسه فيك..قد

غص بشدوه غروبه والشروق

ولا ننسى الشاعر الكبير يحيى توفيق الذي أطلق عليها ( غادة البحر ) فقال:

غادة البحر ماعشقت سواك

 السني منك والبهاء بهاك

كم عرفت الهوى على شاطئيك

 ورشفت الرحيق بين رباك

إيه يا جدة إن غربتني الليالي

ففؤادي يهيم فوق رباك

ياعروس الحجاز ليلك سحر

 وجمال الوجود في مغناك

أما طلال حمزة فهو القائل في قصيدته ( جدة غير ):

ايه احب القاهره...بيروت وكازا

بس جده ياخي غير....جده ياخي ذكريات

ماضي وحاضر وآت...يكفي جده

انها شمس المدائن...وانها احلى البنات

جده ذي مثل الغرق..

لا...

جده مثل العوم

جده مدينه حايره

بين السهر والنوم

..

..

إلى آخر قصيدته الرائعة .

وغير من ذكرت هناك عدد كبير من الشعراء والأدباء الذيين كتبوا عن جدة هذه المدينة الحالمة الساحرة قديماً وحديثاً .

قال ابن خُرمان:

لم تكن القصائد عن جدة حكراً بشعراء الفصحى فلم تغب كذلك عن الشعر الشعبي وخاصة شعر العرضة الجنوبية شعر الشقر حيث تكثر الحفلات التي تقام فيها فيتطرق لها الشعراء بحب واضح في قصائدهم ، وهناك عدد كبير من الشعراء يعيشون في جدة ومنهم الشاعر الكبير صالح بن محمد اللخمي الزهراني الذي انتقل إليها من منطقة الباحة في بداية العقد الثاني من عمره مكملاً دراسته حتى تخرج والتحق بالوظيفة في نفس المدينة ولم يغادرها إلا فترات قليلة فهام بها عشقاً وامتزج حبها بجميع جوارحه وفيها جميع ذكرياته وقال فيها القصائد منها ما يناقش بعض الملاحظات التي يتمنى أن تزول وتتغير إلى الأفضل ، ومن القصائد ما يظهر للسامع مدى حبه لهذه المدينة الغالية على قلبه ، وهنا في هذا المقال الوجيز نختار إحدى القصائد التي تعبر عن هذا الحب وتبين الذكريات فيصفها أنها كانت المكان الذي يلتجئ له عندما يعاني ويقضي لياليه في رحابها بل يصفها بالصدر الحنون تشبيهاً بالأم الرؤوم التي يشعر الإبن عندما يستند لهذا الصدر بالرضا والراحة بعد العناء فيقول:

يامدينة جده كنتي لي في الماضي ملاذ ليل

كنتي الصدر الذي في حضنه أشعر بالرضا والراحه

ثم يواصل في شرح مدى حبه وسعادته عندما يعود إليها وكأنها نبع الماء القراح الذي يطفئ شدة الظمأ :

كنتي النبع الذي يطفي ظمأ روحي وغبها

ويشرح أن أجمل ذكرياته كانت في جدة في شدة حرها وفي وقت دفئها واعتدال جوها :

بين نسناس الهبوب وبين لفحات الهجير الغالي

كانت أجمل ذكريات العمر محسوبه ليومها

وفجأة ينتقل بنا اللخمي إلى الوجه الآخر الذي وجده مع مرور الوقت ودورة الزمن حتى أصبحت محبوبته هي سبب معاناته .!! فيقول:

ثم دار الوقت دورة غيرت وجه الزمان الماضي

وأصبحت مصدر همومي بحرها الدافي وبرها

لماذا ؟!!

هل فقد الشاعر أليفاً؟!

هل هناك معاناة من هموم الحياة ؟!

لم يطل الشرح ، ولم تتضح الأسباب .!!

أما الردود فكان من الحكم التي اعتدناها من الشاعر حيث يتكلم عن الفوارق بين الناس فشبهها بالفوارق بين الجبال الشاهقة والأرض المنبسطة :

قال أبو عبدالله ما ودي يسيطر ع الملا ذليل

الفوارق واضحة بين الجبال الشاهقة والراحة

يا ضليل العقل جنب عني افكارك وغبها

ثم ينتقل إلى الصداقة والتي ينبغي المحافظة عليها فالصديق الصدوق أشبه بالكنز الذي يجب المحافظة عليه فالشك بين الأصدقاء والخيانة تسبب الفرقى ولا يمكن ترميم الصداقة مهما أقسم المخطئ وحاول :

والصداقة كنز ما يفقد لها غير الصديق الغالي

وان تفرق شملها ما عاد يتحقق ليومها

والذي يحلف ثلاث ايمان ما عنده دليل ماضي

خلها حتى نميز بين فاجرها وبرها

..

وهنا القصيدة كاملة بدعاً وردوداً

البدع:

يامدينة جده كنتي لي في الماضي ملاذ ليل

كنتي الصدر الذي في حضنه أشعر بالرضا والراحه

كنتي النبع الذي يطفي ظمأ روحي وغبها

بين نسناس الهبوب وبين لفحات الهجير الغالي

كانت أجمل ذكريات العمر محسوبه ليومها

ثم دار الوقت دورة غيرت وجه الزمان الماضي

وأصبحت مصدر همومي بحرها الدافي وبرها

الردود :

قال أبو عبدالله ما ودي يسيطر ع الملا ذليل

الفوارق واضحة بين الجبال الشاهقة والراحة

يا ضليل العقل جنب عني افكارك وغبها

والصداقة كنز ما يفقد لها غير الصديق الغالي

وان تفرق شملها ما عاد يتحقق ليومها

والذي يحلف ثلاث ايمان ما عنده دليل ماضي

خلها حتى نميز بين فاجرها وبرها

قال ابن خُرمان :

هذه جدة وهذا حال عاشقيها يظهر لنا في أقوالهم وأشعارهم وكتاباتهم .

حفظ الله وطننا وقيادتنا . والله ولي التوفيق .

 

كتبه /

علي بن ضيف الله بن خُرمان الزهراني

الدمام

ذو القعدة 1447 هـ الموافق مايو 2026 م.

...............

نشر في صحيفة مكة الإلكترونية على الرابط :

https://www.makkahnews.sa/5501830.html

السبت، 14 فبراير 2026

انتحال شعر الشقر ..

 

انتحال شعر الشقر

 

يقصد بانتحال الشعر نسبة أبيات أو قصائد كاملة إلى غير قائليها ، وقد ورد هذا كثيراً في الشعر العربي والسبب الرئيس لورود هذا الأمر أن الشعر العربي كان يلقى ويحفظ مشافهة لا يوثق حيث يتناقله الناس بالروايات الشفهية فيرويه بعضهم إلى غير قائله جهلاً أو تعمداً وقد يعجب البعض بقصيدة فينسبها لمن يحب من الشعراء ، أو يسمع أحدهم أبيات فخر فينسبها لشاعر من قبيلته لتشتهر بهذا . وقد انتشر انتحال الشعر في العصر الأموي والعباسي وما بعدهما ، وتطرق لهذا الأمر عدد من الأدباء ففي كتاب الأغاني ورد ذكر هذا الموضوع كثيراً كما كتب عنه آخرون لعل أشهر من كتب في هذا الدكتور طه حسين ، ومن الجدير بالذكر هنا أنني اطلعت على مقال للدكتور بكري شيخ أمين (عضو اتحاد الكتاب العرب وعضو اللجنة العالمية للغة العربية)  نشره في مجلة ( أهلاً وسهلاً ) عدد أغسطس 2006 م بعنوان ( الكذبة التاريخية بين السموءل والحارثي )  يتحدث عن القصيدة التي فيها :

إذا المرءُ لم يَدْنَسْ من اللؤم عِرضُه

فـكـل رداءٍ يرتـديـه جـمـيـلُ

وإنْ هو لم يَحمِلْ على النفس ضيمَها

فليس إلـى حُسْـنِ الثنـاء سبيـلُ

تُعيِّـرُنـا أنّــا قلـيـلٌ عَديـدُنـا

فقلـت لهـا: إنّ الـكـرامَ قلـيـلُ

ومـا ضَرَّنـا أنّـا قليـلٌ، وجارُنـا

عزيـزٌ، وجـارُ الأكْثريـنَ ذلـيـلُ

وإنّا لَقومٌ ما نَـرى المـوتَ سُبَّـةً

إذا مـا رأتْـه عـامِـرٌ وسَـلـولُ

وما مات منّـا سيِّـدٌ حتْـفَ أنفِـه

ولا طُـلَّ منـا حيـث كـان قتيـلُ

تسيل على حَـدِّ الظُّبـاتِ نفوسُنـا

وليستْ على غيـرِ الظُّبـاتِ تسيـلُ

سَلِي إنْ جهلتِ الناس عنا وعنهـمُ

فليـس سـواءً عالـمٌ وجَـهـولُ

فإنَّ بنـي الدَّيّـانِ قطْـبٌ لقومهِـمْ

تَـدورُ رحاهُـمْ حولهـم وتَـجـول

ذكر الكاتب أن القصيدة ليست لليهودي السموءل بن عاديا كما يدعي الرواة دون تمحيص حيث تناقلها الكتاب من بعضهم البعض دون أن يدققوا في صحة المعلومة ودون وضعها تحت مجهر الجرح والتعديل وفند بعض الملاحظات كما استشهد بأقوال بعض رواة الأدب كابن طباطبا العلوي (ت 478) وأبي بكر الصولي (ت 335هـ) وابن الأعرابي (ت 231هـ) والمرزوقي (ت 421هـ) الذين ذكروا أنها لشاعر عباسي اسمه ( عبد الملك بن عبدالرحيم الحارثي) ، ونبهوا على أنها تنسب خطأ إلى السموءل. ومن له الرغبة في قراءة المقال يجده على الرابط التالي : (https://zahrani3li.blogspot.com/2009/04/blog-post_22.html ).

قال ابن خُرمان :

لم يكن انتحال الشعر خاصاً بالشعر الفصيح بل كثر هذا في شعر الشقر الشعبي الذي تشتهر به بعض المناطق من الطائف إلى أقصى جنوب المملكة ، وما دعاني لكتابة هذا الموضوع قصيدة سمعتها وفيها روايات سأتي عليها آخر المقال وكذلك ما قرأته في كتاب ( قرية الشعار بتهامة زهران ) للدكتور محمد سبتي الغبيشي والذي أفرد لهذا الموضوع في كتابه ما يقارب عشر صفحات بدءًا من الصفحة ( 120 ) أوضح فيها أنه وجد عدة قصائد من أشعار الغبيشي أو أحد أبنائه منسوبة لشعراء آخرين ، وذكر من أسباب انتحال الشعر عدم رجوع مدوني الشعر الشعبي إلى معاقل الشعراء وإكتفاء اللاحق بالأخذ من السابق دون تمحيص ، كما أشار إلى أن من أسباب رواية الرواة القصائد لغير أصحابها أن بعض الرواة يتعمد لأهداف في نفسه وربما انتصاراً لشاعر دون آخر ، ومنهم حاطب ليل يروي كما اتفق ، وربما روى أحدهم قصيدة لأحد الشعراء يذكر اسمه فلا ينتبه السامعون للاسم فيتناقلونها باسم الراوي . وأقول يحدث هذا بكثرة عند رواية القصائد و تسجيلها في بعض المجالس حيث يسقط من التسجيل اسم الشاعر فتبقى بصوت الراوي الذي يظن من يتناقل التسجيل أنها من قوله .

وقد ذكر لنا مؤلف الكتاب عدداً من القصائد التي يرى أنها رويت لغير أصحابها منها القصيدة التالية التي أوردها الأستاذ علي بن صالح السلوك في كتاب الموروثات بدع الشاعر سعيد الأصوك والرد من الشاعر جريبيع بينما حقيقتها أن البدع للشاعر أحمد بن علي الغبيشي الزهراني الملقب ( أبو ناب ) ورد عليه الشاعر جريبيع بن صالح الزهراني .

البدع :

أقوله يا مسرحيْ في نشّيا طين

يا محسن الدخن من بعد العفا ريت

أحلى من الجلس من سد الولاجن

وأحلى من المحض جا ما ابلي سمانه

الرد :

أنا جريبيع من ذرو الشياطين

والولد ما كنه إلا ما العفاريت

وانا ويا اهلي عمدنا ع الولا جن

ويوم ريتوه قلت ابليس امانه

كما أورد المؤلف عدداً آخر من القصائد نسبت لغير قائليها ولعل أحدث القصائد التي انتشرت مؤخرأً قصيدة لشاعر شاب معاصر هو الشاعر معيض بن عباس الزهراني والتي نسبها البعض للشاعر محمد بن ثامرة الزهراني رحمه الله علماً أن المدة بين الشاعرين تزيد عن المائة عام .

القصيدة :

أي نحن زهران والقالة شريناها بعد بعد

و امتلكناها وفرقنا صفوف الترك وانحن وانحن

ما نذل و مدحنا يبنى مثل صور بني بني

اخبر التاريخ عن جيش احمد الباشة وحيدر حيدر

يوم ظلى للسيوف الحدب جولات ولي ولي

في رهي البر و قوب وعالقة والدار ديره ديره

من رجال ما تلين قلوبهم واصل الصفا صفا

واغتنمنا الخيل الادهم وكسرنا بيرق الشر بالشر

واغتنمناها جمال تاتهادر من رقابها

بعدما اسرنا احمد الباشة وصلبنا علي عبشان

ما لقي الباشة مصاف ولا محاف عن القضا والقدرة

بين شدات الميازر واشهب البارود صوب صوب

والرهوة ظلى سماها مظلم من فية البارود

وظلى حتى الشجر ما يشرب الا من دم آدمي

قال ابن خُرمان :

لعله من الأهمية في هذا المقال الحديث عن قصيدة يتناقلها الناس كما رواها الشاعر الكبير سعيد بن هضبان الحارثي ولثقتهم في شاعريته وروايته نشرت في بعض الكتب مثل كتاب ( الجناس والعروض في شعر الشقر ) للدكتور محمد سبتي الغبيشي الزهراني  والقصيدة كما رواها الشاعر بن هضبان كان البدع من الشاعر محمد الغويد الغامدي والردود من الشاعر محمد بن مصلح الزهراني رحمهما الله .

البدع الغويد:

لابتي غامد كما السيل لا طمى عقوم

من يمره ما يقوم

ينقل الحضران واللي بعد في البر شاوي

من يمره راح تحت اللحد وصليلها

الرد ابن مصلح :

لابتي زهران ماحافنا طماع قوم

سال غامد والبقوم

ماحمينا حدنا بالهروج وبالرشاوي

الا بسيوف يبت العظام صليلها

وتصحيحاً لهذه الرواية أنقل ( بتصرف ) رواية للأستاذ الدكتور عبدالرزاق بن حمود الفقيه الزهراني نقلاً عن الشاعر ابن مصلح رحمه الله ( وهي الأرجح عندي ):

ان القصيدة للشاعرين علي بن عواض الغامدي ومحمد بن مصلح الزهراني، حيث مر ابن عواض على ابن مصلح الذي أكرمه بالغداء ثم اتجها مع بعض إلى حفل في قرية الغانم فقال الشاعر البدع وكان مجهز له الردود إلا أن ابن مصلح طلب منه إعادة البدع وأقسم أنه من سيرد على القصيدة وهذا ما حدث . وهنا القصيدة كاملة :

البدع علي بن عواض الغامدي:

ياسلام الله لدار آل غانم بيت بيت

كل شايب والصغير

والرماضين الذي كنهم حد الشبا

ما نقول منها نبا

والعشاريق الذي كنهم قلة شدا

ما بنوا بني الردا

وآل مرزوق الذي كنهم ضلعٌ عسير

ما بنوا بنيٌ قصير

يا سلام الله سلامي لقوم راسمين

لو بنبقى اربع سنين

وانحن الزهران نحمى حدود بلادنا

وانشدوا من رادنا

عزوتي غامد كما حاشر طمى عقوم

حظنا دايم يقوم

واليساري هو شريكٌ في ارضي وامتلك

ما نقول منها بدا

ولنا حد يسمى بوادي بني بشير

وانشدوا عنا قريش

ولنا حد يسمى وهو في ظهر حابس

ولنا في دوس في طارف العرنين ربعه

غير رابعة الربوع

ما خذينا حقنا بالكذاب وبالرشاوي

غير بسيوف يبت العظام صليلها

 

الردود ابن مصلح:

مرحبا بك يا علي عندنا مابيت ابيت

لا توصي وص غير

وان بدعت القارعة قبلنا لا تنشبا

كل علم له نبا

انت بيتنشد عن الهيض وانا بانشدا

كب علم المردا

والذي جيد ومطلق دروا به من عسير

ما يبور في القصير

وان بدعت الشور والرا فخل الرا سمين

حدنا يربع سنين

وانحن زهران فدنا المدوح بلا دنا

شايب و مرادنا

عزوتي زهران ما حافنا طماع قوم

وانشد غامد والبقوم

من تمنى حد زهران بيغدي هلاك

ما اخبره منا بدا

والذي يخطي الشريعة يجي عنه البشير

والذي يقرا قرا ايش

والصديري حط له محكمة سجن وحابس

من تمنى حد زهران يصدر عند ربعه

يوم رابعة الربوع

يا علي ما ني بمثلك بعد في البر شاوي

كم قرون داسها الموت تحت صليلها

وقد أوضح الدكتور عبدالرزاق أنه أرسل التصحيح للشاعر ابن هضبان إلا أن القصيدة انتشرت بأخطائها تناقلتها وسائل التواصل.

ختاماً:

نتمنى أن يصل هذا المقال لمن يهتم بالأدب الشعبي ، ونطلب من رواة القصائد في المناسبات والجلسات والمقاطع التأكد من نسبة القصائد إلى قائليها .

والله ولي التوفيق.

 

كتبه /

علي بن ضيف الله بن خُرمان الزهراني

الدمام

شعبان 1447 هـ الموافق فبراير 2026 م

 .........................

نشرت في صحيفة النهار السعودية على الرابط :

https://www.annahar-news.com/news/single/31379