الثلاثاء، 26 مايو 2026

نفس عصامٍ سودت عصاما

 

نفس عصامٍ سودت عصاما

 

 

قال ابن خُرمان :

موضوع هذا المقال راودتني نفسي مراراً لأكتب عنه لكنني ترددت كثيراً ولم تأتني الجرأة ليس لعدم معرفتي الكتابة لكن الكتابة عن شخصية تعرفها وتجدها أكبر كثيراً مما تود قوله وسيرة حياته تفوق ما قد أسطر عنه يكون مكمن الصعوبة خاصة وأن غيري كثيرون يعرفونه وربما لا يصل ما أكتبه إلا أقل القليل مما لديهم عنه ، ومع كل هذا التردد واتتني الشجاعة والجرأة للكتابة عنه الآن وبالله أستعين.

إنه الصديق والزميل والمعلم العميد الطيار الركن عبدالله بن مرضي الزهراني ، وسأبدأ من التصنيف حيث ذكرت أنه الصديق وهذه الحقيقة فقد بدأت صداقتنا منذ اليوم الأول لالتحاقنا بكلية الملك فيصل الجوية حيث قابلته وتعارفنا وتكلم كل منا عن نفسه ووجدنا أن هناك أواصر رحم بيننا واستمرت صداقتنا من ذلك الحين فكنا نترافق في الكلية وفي إجازات نهاية الأسبوع حتى لا نكاد نفترق خلالها وعندما يذهب أحدنا عند جماعته دون مرافقة الآخر له يسأل المضيف : أين فلان؟!

واستمرت تلك الصداقة بفضل الله حتى بعد تخرجنا من الكلية وتفرق الحال بنا لظروف العمل إلا أن التواصل استمر ولم ينقطع حتى تاريخه .

أما الزميل فهي زمالة الدراسة في الكلية ثم العمل بعد التخرج في قطاع القوات الجوية الملكية السعودية حيث كل يعمل في مجاله وفي القاعدة المعين بها إلا أن زمالة العمل مستمرة إسوة بجميع الزملاء في القوات الجوية والذين يتكامل جهدهم ويكمل عمل كل منهم الآخر حتى تنجز المهمة لقواتنا المسلحة في حفظ أمن وطننا الغالي من أي إعتداء.

أما المعلم فهذه حقيقة فأنا أعتبره معلماً لي فقد سبقني إلى المدن والتعامل مع الآخرين بينما أتيت من قرية لا تعرف من الحضارة إلا أسمها وما يدرس في الكتب حتى أبسط الأشياء لم نكن نعرفها فعنما يذكر التلفون لا نعلم ما هو ولا كيف يستخدم و انبهرت بالتلفزيون عندما شاهدته والمصعد عندما ركبته وغيرها الكثير لكنني قابلت معلمي فكان نعم المعلم والعون لي في شرح كل ما جهلته حينها حتى طريقة التعامل مع الناس التي كنا نجهلها فقد كانت غلظة التعامل تغلب علينا والتي فرضتها ظروف حياتنا السابقة لكنه استطاع تنويري وتوجيهي الوجهة الملائمة ولا زلت اتعلم منه كلما قابلته أو تواصلت معه ولعل ما شجعني على الكتابة في المنتديات والمدونات عندما وجدته يكتب في منتديات الإنترنت ودعمه لما أكتبه وإن كان ما أكتبه لا يستحق .

أما العميد الركن الطيار فهي الرتبة التي تشرفَت بأن تكون على منكبه ووصل إليها في القوات الجوية قبل أن يحال إلى التقاعد كغيره ممن خدموا دينهم ومليكهم وطنهم بكل شرف وعزة حتى أصبحت مملكتنا ولله الحمد منيعة وقواتنا الجوية من أفضل القوات في العالم .

ما سطرته سابقاٌ محاولة لأتجرأ على الكتابة عن أبي أحمد والذي وضعت عنوان مقالتي عنه شطر بيت النابغة الذبياني وهذه حقيقته ، فقد بدأ حياته كأي طفل نشأ وتربى في قرى كانت بدائية فلا يعرف إلا الغنم وغيرها من المواشي ، لا يعرف إلا الحرث والسوق ورعي الغنم والزراعة وما أتبعها فلا كهرباء ولا سيارات ولا شيء من ملذات الحياة الحديثة . نشأ في بيت من أعيان بيوت بالطفيل بل زهران بيت كرم وشجاعة ووفاء وهذه مكتسبات توارثتها أجيالهم من جد لحفيد ومنهم صديقنا لكن من حسن حظه وجيله أن افتتحت الدولة السعودية أدامها الله مدرسة في قريته ( قرية عويرة ) ولاهتمام أبيه بالعلم ألحق ابنه بها فكان من نوابغ طلابها لكنه لم يكن متفرغاً للدراسة والعلم وإنما كانت أشغال الزراعة والرعي جزءً من برنامجه اليومي بل كانت برنامجه اليومي كاملاً أثناء الإجازات واستمر على هذا الحال حتى أنهى الإبتدائية وكانت فرحته غامرة عندما سمع أهل القرية يذكرون أن الرادي أذاع اسمه في الناجحين . انتقل بعدها إلى متوسطة النصباء فكانت انتقاله كبيرة فلم يكن يعلم أن هناك قرى توازي قريته وربما أكبر ومنها معلمين وضباط وشاهد بعض السيارات حيث
لم تصل السيارات قريته ، واصل دراسته حتى أنهى المرحلة المتوسطة وبفرحة أكبر مما حدث له في الإبتدائية فبعد المتوسطة سينتقل مع مجموعة من زملائه إلى المدن التي يسمعون عنها لاستكمال دراستهم فوصل الطائف فكانت النقلة الأكبر في حياته فالطائف مدينة تضم المدارس والمراكز التجارية والمستشفيات ومراكز ومدارس الجيش فالتحق مع بعض زملائه بمدرسة الكتاب للقوات المسلحة حتى تخرج منها برتبة صف ضابط كاتب وكان هذا طموح العديد من الشباب حينها حيث كانت الحياة صعبة والمادة قليلة وكانوا يسعون لبناء حياتهم الاجتماعية والزواج ومساعدة الأهل في متطلبات الحياة إلا أن بطلنا لم تلهه حياة
المدينة وما حصل عليه من رتبة وراتب عن طموحه العلمي فاستمر يعمل نهاراً ويواصل تعليمه الثانوي ليلا حتى تمكن من الحصول على الثانوية التي أهلته للالتحاق بكلية الملك فيصل الجوية مغامراً بالتخلي عن رتبته وراتبه ليكون طالباً مرة أخرى .

كان في الكلية مثالاً للطالب المجد الخلوق فقد حمّله المسؤولون في الكلية مهمة قيادة دورته منذ اليوم الأول لالتحاقه بالكلية وكان نعم القائد والموجه لزملائه حتى تخرج من الكلية برتبة ملازم طيار وواصل العمل والترقي في الرتب والمناصب والتي أهلته لمرافقة الملوك والأمراء في تنقلاتهم الجوية.

هكذا كانت حقيقة عبدالله بن مرضي العصامي الذي لم يدفعه أحد للتعلم والاجتهاد وإنما كان الدافع ينبع من داخله فالثقافة كانت ديدنه فقد كان يقرأ ويكتب المقالات للصحف منذ أن كان الثانوية مما أكسبه حينها ثناء كبار أدباء السعودية أمثال العلامة حمد الجاسر والأديب محمد حسن زيدان وغيرهم ، ورغم الحياة العملية في المجال العسكري التي تستهلك الكثير من الوقت والجهد لم يتخل عن القراءة ولعلي أذكر هذه الحكاية التي أفصح بها لأول مرة فقد كنت أشاهده أثناء دراستنا في الكلية يحمل كتاباً أدبياً معه وهو ( الحبر الأسود أسود ) لناصر الدين النشاشيبي استعاره من مكتبة الكلية يتحين كل فرصة ليقرأ في ذلك الكتاب وكانت لي الرغبة الشديدة في أن ينهي قراءة ذلك الكتاب لأتمكن من قراءته والإستفادة منه لثقتي في ذائقته وحسن اختياره .. ومما يتميز به الصديق أبو أحمد الذاكرة الحافظة فهو ما شاء الله يتذكر التفاصيل الصغيرة جداً للأحداث وما يقرأه ، كما يتميز بحسن الرأي وجمال الأسلوب أثناء الحديث حتى أنني أثناء دراستنا في الكلية وعندما نجتمع مع بعض أفراد الجماعة استمتع بحديثه عن أحداث الكلية وما قابلناه فيها رغم معرفتي بكل ما يتحدث عنه، ولعلي هنا أشيد بما زرعه في أبنائه من الصفات التي جعلتهم لا يرضون إلا أن يواصلوا ما بدأه والدهم فهم الآن يتسنمون أعلى الرتب والمناصب والتخصصات العلمية النافعة .. وأخيراً أرى أن ما وجده أعيان قبيلة بالطفيل في أبي أحمد من رجاحة عقل وحسن رأي ومكارم أخلاق جعلتهم يرشحونه شيخاً لقبيلتهم وهو أهل لذلك وهم نعم القوم.

ختاماً : أعلم أن الصديق الغالي لا يرغب الكتابة عنه ومع هذا أتمنى أن يعذرني إن قصرت في مقالي عنه فكما ذكرت في مبتدأ كلامي أن الكتابة عن سيرته تتجاوز مثل هذا المقال ولكن مثلما قيل : ما لا يدرك كله لا يترك جله . والله ولي التوفيق .

 

دونه /

علي بن ضيف الله بن خُرمان الزهراني

الدمام

ذو الحجة 1447 هـ الموافق مايو 2026 .

 

.............

نشر في صحيفة مكة الإلكترونية على الرابط :

https://www.makkahnews.sa/5505094.html

 

الأربعاء، 13 مايو 2026

يا رفيقي لفيتك بالنقا

 

يارفيقي لفيتك بالنقا

 

يعتبر النقا من العادات والقوانين القبلية القديمة التي كانت متبعة وتطبق في قبائل زهران وغامد وربما في أغلب قبائل الجنوب فقد ذكر في كتاب الأدب الشعبي في الجنوب لمؤلفه محمد أحمد العقيلي من مطبوعات نادي جازان الأدبي أن النقا في جازان يتم بقتل القاتل أو أحد قرابته ويعتبر خلاصاً في المقتول ، وقد يحدث النقا بأن يقتل أحدهم ابنه في سبب بسيط من أجل بياض الوجه وسرد قصة عن رجل يدعى ( جابر حجل ) – أذكرها بتصرف واختصار - أنه قتل ابنه بسبب قيامه بسرقة ( جوفي ) نوع من الخناجر لأحد ضيوفه كان نائماً في منزله وعندما اكتشف أن ابنه السارق استشاط غضبا وأطلق عليه النار فأرداه قتيلا وأعاد الخنجر إلى صاحبها مما حدا بالشعراء إلى الإشادة بموقفه وقال في ذلك الشاعر أحمد علي خديش :

يا لابتي من كجابر يعرف النقا .. اللي يغدي الحندية([1]) في ساعة اللقا

مشهور بالفعال

وشيعته تمشي بلاد البر والبحر .. تاريخ سيرته

اللي ذبح ابنه على منقوص ( جوفيه )([2])

يا بريدي سير وصل لي ديرة امحقار .. مرّه على ( جابر ) وقل له عشت في سلام

ياللي ينجي الضيف والقصاد واليسار

من سايره يركن على حقه ويمشي الضوح والظلام ([3])

والناس تشهدي

من يوم قتل ابنه ومن يشا البيضا يشلها([4])

 

قال ابن خُرمان:

أما في منطقة الباحة أورد هنا ( بتصرف واختصار) ما ذكره الأستاذ علي بن سدران الزهراني في كتابه ( بطون قبيلة زهران ) أن النقا في الغالب اختيار عشوائي تختار القبيلة بموجبه أحد أفرادها الخاملين أو ممن لا ترغب في وجوده بينهم ليكون خلاصاً في من قتلته من قبيلة أخرى في غير ما حرب بينهما ، وهو شبيه بالقصاص إلا أنه يقتل غير القاتل الحقيقي ويتم هذا دون علم الذي اختارته قبيلته حيث يتفقون فيما بينهم ويبلغون أهل المقتول بخطة تصفية ذلك الشخص ، كما يطبق النقا على من يقوم بالقتل في سوق القبيلة متجاوزاً عقود السوق ([5]).

( وقد أبطل الملك عبدالعزيز رحمه الله هذه العادات بأن كتب لشيوخ القبائل بإبطالها وتطبيق الشرع )([6]) .

ولم يكن النقا بالقتل إلا عن الخلاص في مقتول أما الأمور والأخطاء التي دون القتل فنقاها حسب ما يقرره عرّاف وحكماء القبيلة وقد يتنازل صاحب الحق عن حقه وتبدى له البيضاء وهي قماش أبيض تنشر راية من المكان المقرر تشير إلى جميل صاحب الحق المتنازل.

قال ابن خُرمان :

هنا سأورد بعض القصص التي حدثت والقصائد التي قيلت في النقا فمن العادات التي كانت أنه إذا قُتل قتيل من قرية أو قبيلة فلا يهدأ لذوي المقتول بال حتى يأخذوا بثاره من قرية أو قبيلة القاتل وربما من شخص ليس له شأن ثم يقيمون عرضة بمناسبة النقا تقال فيها القصائد وهذه القصيدة للشاعر الكبير علي الغبيشي رحمه الله ([7])في إحدى هذه المناسبات .

البدع :

مرحبا واهلين يا عبدالله الأصنقا([8])

ما انت باصنق ما اصنق إلا من يكن له في الخلا صناقي([9])

فان ربي ما يخلي أعمى ولا خلا صنوقها

الرد :

ايل مقبل واحدٌ منهم غدا فصلٌ خلص نقا

قلت وانا ياهنا ياحي لي ياذا الخلاص الناقي([10])

مثل نمر لا عدا في العيس([11]) يا خلاص نوقها

امتدح الشاعر في البدع الشاعر المقابل ( عبدالله الأصنق ) ويصفه بالشجاعة والاقدام ، ثم ينتقل في الردود إلى مدح آل مقبل ويمتدح القتيلين بل يعتبر أن من قتل ثأراً أفضل من السابق ويشبهه بالنمر إذا هجم على الإبل.

وهذه القصة الأخرى و القصيدة وردت في الموروثات الشعبية([12]) أن شخصاً من آل سعيدان بني حرير أتهم بقتل آخر كان مصاباً بالجدري فالتجأ إلى قرية الحكمان من بني جندب خوفاً من القتل ثم عاد بعد فترة إلى قريته وأخلي الحكمان من مسؤوليته حيث ابدى لهم البيضاء فقُتل بعد ذلك ، فقام بني جندب بطلب النقا وفاء للشخص الذي استجار بهم إلا أن تدخل بعض كبار زهران ومعهم الشاعر الكبير محمد بن ثامرة رحمه الله أنهى المشكلة فقد برئت ساحة بني جندب فقد خرج المقتول برضاه بعد أن أبدى لهم البيضاء التي تبريء ساحتهم من المسؤولية كما أن قتله كان في قريته ، وقال الشاعر ابن ثامرة قصيدته التالية يمتدح في البدع قبائل بني عمر من زهران ويذكر وقوفهم مع بقية قبائل زهران في قتال الأتراك وفي الردود يذكر القضية والقتل وطلب النقا ثم يبين حكم عرّاف زهران والذي أرضى بني جندب :

البدع

مرحبا في مرحبا ياعُمريٌ يوفي البشير([13])

ما دريت انك رفيق بالمحبة غير من جِبارك ([14])

في العُرُش والفارعة يوم اقبل الطابور فاقته ([15])

صفنا يوم الثلاثاء ما لقيوا فيه مدّخل

كل قرنٌ قاسيٌ يوما صباح الفارعة حبيته([16])

والشيّم ما قط حلت كل راسٌ كانعٌ دنا([17])

يالله تسقي ديرة الشيمة بناوٍ ما ينش رشاش ([18])

ما دريت العُمري لا ضاق ضقنا وان رضيوا نرضا

يوم جو حتى حصى الديرة تقل يالله حيهم

لجل أن الجندبي في مذهبٌ قبله بني عمر([19])

الردود

قدر الله واحدٌ يجدر ويفنى من بني بشير ([20])

قالوا الدا والردا والشر والضر من علي امن امبارك ([21])

وغدا يدخل على الحكمان من فتنة رفاقته

وقعد شهرين عوّد يخرج الحكمان مالدخل ([22])

وقتل بعد اطلع البيضاء لجاره وصدر في بيته ([23])

قال بن زنان بانقا في دخيل كان عندنا ([24])

والله ان البيض فال الجندبي عالٌ ينشّر شاش

ماليمن والشام ومن البحر والمشرق وعرشٌ وارضا

فال حاضرهم وغايبهم وميتهم وحيهم

واجبٌ نكسي بها حتى شجر ديرة بني عمر

وهناك العديد من القصص والقصائد وردت في كتاب الموروثات الشعبية وفي غيره من الكتب التي تهتم بتاريخ وموروث المنطقة ، وسأكتفي بالقصتين التاليتين عن النقا فيما دون القتل حدثتا في بالحكم من بني كنانة إحدى قبائل زهران إحداها رويت لي من أحد المشاركين والأخرى رويت لي نقلاً عن معاصرين للحدث رحمهم الله جميعاً.

قام رجل من قبيلة أخرى([25]) بسرقة شاة كانت لجار عند بالحكم اسمه ( علي ) فذهب رجال من بالحكم واستولوا على ثور من تلك القبيلة وأخذوا معه شاة قادوها جميعا إلى جارهم ومن الطُرُف أنهم وجدوا في الطريق ثعبانا فأمسكوه حيا وقاموا بخياطة فمه وربطوه في قرون الثور ثم ركب أحدهم يدعى ( علي سيف ) رحمه الله على ظهر الثور واتجهوا إلى جارهم بعرضة قال شاعرهم هذه الزملة القصيرة :

يا علي جيت في شاتك بثور

يكتمل في العداد وفي المحر([26])

الرد :

جاك من رد خصمه في عثور

صفقاته كما صفق البحر

أما القصة التالية فقد حدثت بين بالحكم حيث تنقسم بالحكم في تهامة والسراة إلى فرعين هما أولاد علي وتشمل قرى ( دار المسيد والقفرة والخمر والقرنطة والصداق ) والفرع الثاني بالندا وتشمل ( العامية وقراها والقاسمة وقراها ) وكانوا مجتمعين دائما بفضل الله ، وقد حدث أن أُقيم حفل ولعب وعرضة في دار المسيد فاجتمع رجال بالحكم الموجودين للمشاركة في الحفلة وكان هناك جار من قبيلة أخرى عند القاسمة فقام بعض الشباب من دار المسيد لطيشهم بالاعتداء على هذا الجار فغضب أهل القاسمة ومن حضر من بالندا حماية لجارهم فانسحبوا من الملعبة ، حينها تبادر العقلاء من أولاد علي لمناقشة الأمر واعترفوا بخطأ الشباب المعتدين وكأن النابغة يصفهم بقوله :

ولا خير في حلم إذ لم يكن له  .... بوادر تحمي صفوه إن يكدرا

ولا خير في جهل إذا لم يكن له .... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

فتداولوا الرأي بينهم وقرروا أن يكون النقا ضرب رؤوس شابين من المشاركين في الخطأ بالجنبية ليظهر منها الدم ثم اتجهوا جميعاً إلى القاسمة بعرضة والشابان في مقدمة العرضة وأثر ضرب الجنبية و الدم يصب في ناصيتيهما وقال الشاعر (عارف بن محمد الزهراني رحمه الله ) هذه الزملة القصيرة  يشرح الوضع في البدع ويبين أن لهم مستقبلاً مثلما عليهم إن حدث مثل هذا ، وفي الردود يمتدح بالحكم وأنهم ذوي شجاعة وبأس:

يا رفيقي لفيتك بالنقا

ووراها السبل والسابلة([27])

الردود:

حي من يطلع ارياع الشقا

ومحاجي العدا متقابلة([28])

وبهذا انتهت المشكلة ورضي أصحاب الشأن وجارهم كذلك رحمهم الله جميعاً .

ختاماً :

ربما كانت هذه القوانين صالحة للزمن الماضي الذي لم يكن به حكومة تحفظ الأمن وتقيم العدل ، أما الآن نحمد الله الذي هيأ لنا هذه الدولة المباركة التي أحكمت الشرع وأزالت ما خالفه من قوانين ، ونسأل الله أن يحفظ على وطننا أمه وأمانه ويحفظ قيادتنا ووحدتنا . والله ولي التوفيق.

 

كتبه

علي بن ضيف الله بن خُرمان الزهراني

الدمام

ذو القعدة 1447 هـ الموافق مايو 2026 م .

 

.......................

نشر في صحيفة النهار السعودية على الرابط :

https://annahar-news.com/news/single/34053

 

.......

إضافة من الأستاذ محمد البيطار من العنق في قروب بني كنانة في الواتساب :

 

كذلك فيه قصة ربما لم ترد في الكتاب وهي عندنا في العنق ولد لمشهف قتل واحد من الفرعة في عقود السوق وتوزا في النصباء عند محمد بن معيض وكان شيخ القرية في ذلك الوقت وجلس بحماية الشيخ قرابت الشهر وبعدها استدرجه من هو في سنه حتى نقض حماية الشيخ حيث وقف في المسجد وأعلن بأن الشيخ ابيض وجه حاضرا ومستقبلا وبعدما وصل الي بيتهم اجتمع القبيلة وطلبوا من والده ان يقتله خلاص في المقتول وإلا يحرقون عليهم البيت وكل ما يملكون وفعلا  ربطه ابوه في الجرين وأطلق عليه الرصاص وقتله وقال قصيدته المشهورة

حيا الله من يعقل الطموحي

وا يثني المصعبه قيام

والرد يقول

والله يا محسن إنك روحي

غير دون الوجه ما نلام

أحببت ان اوردها لانه سمحت الفرصة لإن تقال

...



[1]) الحندية : الحدأة .

[2]) خنجر

[3]) من يساسره يطمئن ليلاً ونهاراً.

[4]) من كتاب الأدب الشعبي في الجنوب ؛ تأليف محمد أحمد العقيلي .

[5]) عقود السوق : المواثيق التي وضعت لذلك السوق .

[6]) كتاب بطون قبيلة زهران ؛ تأليف علي بن محمد سدران الزهراني.

[7]) الموروثات الشعبية ؛ تأليف علي السلوك .

[8]) شاعر من بني حرب المجاورة لتهامة زهران.

[9]) المقصود الجبان .

[10]) وانا ياهنا : تعجب ؛  ياحي لي : يالهذا الرجل ؛ الخلاص الناقي : الرجل البارز النطيف عالي المقام .

[11]) عدا في العيس : هجم على الإبل.

[12]) الموروثات الشعبية لغامد وزهران ؛ تأليف علي السلوك

[13]) عمري : نسبة لقبائل بني عمرمن زهران.

[14]) جِبّارك : وقوفك مع زهران في الحرب .

[15]) العرش والفرعة : مواقع القتال .

[16]) صباح الفارعة : موقعة الفرعة .

[17]) كانع دنا : خاضع والمقصود الجبان .

[18]) ما ينش رشاش : مطر مستمر لا يتوقف .

[19]) بني عمر : وثيق البناء .

[20]) يجدر : يصاب بالجدري .

[21]) علي امن امبارك : علي بن مبارك المتهم بالقتل .

[22]) عوّد : عاد ؛  الدخل : الاستجارة .

[23]) صدر في بيته : عاد إلى منزله .

[24]) بن زنان شيخ قبيلة بني جندب من بني عمر زهران .

[25]) حجبت اسم القبيلة احتراماً لهم و لحدوث القصة في زمن بعيد انتهى بفضل الله ثم الدولة السعودية رعاها الله .

[26]) من عدة الزراعة قديماً التي كانت تستخدم فيها الثيران .

[27]) السبل والسابلة : المساواة في الحكم إن حدث مثل هذا .

[28]) المحاجي : متاريس القتال .

الثلاثاء، 12 مايو 2026

وجوه صالح اللخمي بقلم الكاتب عبدالمجيد الزهراني

 

 

وجوه صالح اللخمي

بقلم

عبدالمجيد الزهراني ( * )


مليئة أرض جنوبنا الغالي الأخضر بأشجاره والأخضر بولائه، بكمّ هائل من الفنون القوليّة والأهازيج، ففي الجنوب الكل يغني، الناس والأطيار والأحجار، والطفل الجنوبي منذ ما قبل النفط، يبدأ حياته بالغناء، من أهازيج الرعاة وحتى الاصطفاف في حفلات الشعراء، الكل يغني.

 

طافت كل هذه الأشياء في الذاكرة وأنا أتصفح إصداراً جديداً للأستاذ علي ضيف الله الزهراني، عن شاعر العرضة القدير صالح اللخمي، هذا الإصدار الذي يعد بصدق وبلا مجاملة أو فذلكات وصفية، إضافة هامة لمكتبة الموروث الجنوبي.

 

صحيح أن اللخمي ليس الشاعر الأشهر في الجنوب بمقياس النجومية، لكنه وهذا الجميل، من أهم شعراء الجنوب، إذا ما أخذنا المعيار الأسلوبي، فهو قد اختط له مساراً منفرداً في تراكيبه اللغوية بل وحتى في مضامين قصائده، ودائماً ما يبرز الجانب العقلي والتأملي في طرحه.

 

الكتاب المرجعي الثمين هذا، حوى مسيرة 40 عاما لشاعر ملأ محافل العرضة الجنوبية بشدوه وألحانه وأوجاعه، وعينه الراصدة للأحداث وقراءة تلك الأحداث بعين الشاعر الحكيم، إضافة إلى كثير من محاوراته متنوعة الألحان والطروق مع أجيال مختلفة من الشعراء.

 

الذي لفت نظري بقوة في هذا الإصدار، هو أنه حتى وإن كان في مجمله يتناول الشاعر اللخمي إلا أنه في الحين ذاته، يعد مرجعاً توثيقياً لقصائد شعراء كثر مميزين في مجال العرضة الجنوبية، مثل ابن طوير والبيضاني وابن مصلح وعبدالواحد والشيخي وابن حوقان والدرمحي والكناني ورياض الخزمري، فكأنما هو عبارة عن فيلموغرافيا لأسماء وأجيال وقصائد متتالية الأزمنة، وكأنما كان اللخمي اختصاراً لكل تلك الأجيال، بل وكأن كل تلك الوجوه مرت من خلال وجه صالح اللخمي.



 

ـــــــــــــــ

* نشر المقال في صحيفة الوطن السعودية الخميس 18 يناير 2018 - 01 جمادى الأولى 1439 هـ

رابط التغريدة في منصة X :

https://x.com/majeedzhrane/status/955101482554150912?s=20

( * ) هو الشاعر والكاتب عبدالمجيد بن عقاب الزهراني ، له قصائد عديدة يتناقلها الناس لما تلامسه من همومهم ، كاتب في جريدة الوطن وبعض الصحف الإلكترونية .

الاثنين، 4 مايو 2026

ملاذ ليل ..

 

ملاذ ليل

 

تعتبر مدينة جدة من أبرز مدن المملكة وأكثرها حيوية وتأثيراً وتمتاز بموقعها الجميل على ساحل البحر الأحمر مما جعلها مدينة سياحية منذ القدم وملتقى ثقافات وحضارات ، مدينة سحرت أفئدة ساكنيها مما جعلها المدينة الأولى في نظر كل منهم . تغنى بها عدد كبير من الشعراء وكتب عنها العديد من الأدباء لعلنا نتطرق إلى القليل مما قيل . عندما يُكتَب عن جدة لا يمكن تجاوز ماقاله العاشق لمدينة جدة الشاعر الكبير حمزة شحاتة الذي قال عنها أجمل الشعر ودرة القصائد التي  تتردد على ألسنة كل من يرغب الحديث عن جدة يقول فيها :

النهى بين شاطئيك غريق

والهوى فيك حالم ما يفيق

ورؤى الحب في رحابك شتى

يستفز الأسير منها الطليق

إيه يا فتنة الحياة لصب

عهده في هواك عهد وثيق

ويذوب الجمال في لهب الحب

إذا آب وهو فيك غريق

فيك من بحرك الترفق والعنف

ومن أفقك المدى والبريق

إلى أن يقول:

أنت دنيا رفافة بمنى الروح

وكون بالمعجزات نطوق

جدتي.. أنت عالم الشعر والفتنة

يروي مشاعري ويروق

لي ماض لم أنسه فيك..قد

غص بشدوه غروبه والشروق

ولا ننسى الشاعر الكبير يحيى توفيق الذي أطلق عليها ( غادة البحر ) فقال:

غادة البحر ماعشقت سواك

 السني منك والبهاء بهاك

كم عرفت الهوى على شاطئيك

 ورشفت الرحيق بين رباك

إيه يا جدة إن غربتني الليالي

ففؤادي يهيم فوق رباك

ياعروس الحجاز ليلك سحر

 وجمال الوجود في مغناك

أما طلال حمزة فهو القائل في قصيدته ( جدة غير ):

ايه احب القاهره...بيروت وكازا

بس جده ياخي غير....جده ياخي ذكريات

ماضي وحاضر وآت...يكفي جده

انها شمس المدائن...وانها احلى البنات

جده ذي مثل الغرق..

لا...

جده مثل العوم

جده مدينه حايره

بين السهر والنوم

..

..

إلى آخر قصيدته الرائعة .

وغير من ذكرت هناك عدد كبير من الشعراء والأدباء الذيين كتبوا عن جدة هذه المدينة الحالمة الساحرة قديماً وحديثاً .

قال ابن خُرمان:

لم تكن القصائد عن جدة حكراً بشعراء الفصحى فلم تغب كذلك عن الشعر الشعبي وخاصة شعر العرضة الجنوبية شعر الشقر حيث تكثر الحفلات التي تقام فيها فيتطرق لها الشعراء بحب واضح في قصائدهم ، وهناك عدد كبير من الشعراء يعيشون في جدة ومنهم الشاعر الكبير صالح بن محمد اللخمي الزهراني الذي انتقل إليها من منطقة الباحة في بداية العقد الثاني من عمره مكملاً دراسته حتى تخرج والتحق بالوظيفة في نفس المدينة ولم يغادرها إلا فترات قليلة فهام بها عشقاً وامتزج حبها بجميع جوارحه وفيها جميع ذكرياته وقال فيها القصائد منها ما يناقش بعض الملاحظات التي يتمنى أن تزول وتتغير إلى الأفضل ، ومن القصائد ما يظهر للسامع مدى حبه لهذه المدينة الغالية على قلبه ، وهنا في هذا المقال الوجيز نختار إحدى القصائد التي تعبر عن هذا الحب وتبين الذكريات فيصفها أنها كانت المكان الذي يلتجئ له عندما يعاني ويقضي لياليه في رحابها بل يصفها بالصدر الحنون تشبيهاً بالأم الرؤوم التي يشعر الإبن عندما يستند لهذا الصدر بالرضا والراحة بعد العناء فيقول:

يامدينة جده كنتي لي في الماضي ملاذ ليل

كنتي الصدر الذي في حضنه أشعر بالرضا والراحه

ثم يواصل في شرح مدى حبه وسعادته عندما يعود إليها وكأنها نبع الماء القراح الذي يطفئ شدة الظمأ :

كنتي النبع الذي يطفي ظمأ روحي وغبها

ويشرح أن أجمل ذكرياته كانت في جدة في شدة حرها وفي وقت دفئها واعتدال جوها :

بين نسناس الهبوب وبين لفحات الهجير الغالي

كانت أجمل ذكريات العمر محسوبه ليومها

وفجأة ينتقل بنا اللخمي إلى الوجه الآخر الذي وجده مع مرور الوقت ودورة الزمن حتى أصبحت محبوبته هي سبب معاناته .!! فيقول:

ثم دار الوقت دورة غيرت وجه الزمان الماضي

وأصبحت مصدر همومي بحرها الدافي وبرها

لماذا ؟!!

هل فقد الشاعر أليفاً؟!

هل هناك معاناة من هموم الحياة ؟!

لم يطل الشرح ، ولم تتضح الأسباب .!!

أما الردود فكان من الحكم التي اعتدناها من الشاعر حيث يتكلم عن الفوارق بين الناس فشبهها بالفوارق بين الجبال الشاهقة والأرض المنبسطة :

قال أبو عبدالله ما ودي يسيطر ع الملا ذليل

الفوارق واضحة بين الجبال الشاهقة والراحة

يا ضليل العقل جنب عني افكارك وغبها

ثم ينتقل إلى الصداقة والتي ينبغي المحافظة عليها فالصديق الصدوق أشبه بالكنز الذي يجب المحافظة عليه فالشك بين الأصدقاء والخيانة تسبب الفرقى ولا يمكن ترميم الصداقة مهما أقسم المخطئ وحاول :

والصداقة كنز ما يفقد لها غير الصديق الغالي

وان تفرق شملها ما عاد يتحقق ليومها

والذي يحلف ثلاث ايمان ما عنده دليل ماضي

خلها حتى نميز بين فاجرها وبرها

..

وهنا القصيدة كاملة بدعاً وردوداً

البدع:

يامدينة جده كنتي لي في الماضي ملاذ ليل

كنتي الصدر الذي في حضنه أشعر بالرضا والراحه

كنتي النبع الذي يطفي ظمأ روحي وغبها

بين نسناس الهبوب وبين لفحات الهجير الغالي

كانت أجمل ذكريات العمر محسوبه ليومها

ثم دار الوقت دورة غيرت وجه الزمان الماضي

وأصبحت مصدر همومي بحرها الدافي وبرها

الردود :

قال أبو عبدالله ما ودي يسيطر ع الملا ذليل

الفوارق واضحة بين الجبال الشاهقة والراحة

يا ضليل العقل جنب عني افكارك وغبها

والصداقة كنز ما يفقد لها غير الصديق الغالي

وان تفرق شملها ما عاد يتحقق ليومها

والذي يحلف ثلاث ايمان ما عنده دليل ماضي

خلها حتى نميز بين فاجرها وبرها

قال ابن خُرمان :

هذه جدة وهذا حال عاشقيها يظهر لنا في أقوالهم وأشعارهم وكتاباتهم .

حفظ الله وطننا وقيادتنا . والله ولي التوفيق .

 

كتبه /

علي بن ضيف الله بن خُرمان الزهراني

الدمام

ذو القعدة 1447 هـ الموافق مايو 2026 م.

...............

نشر في صحيفة مكة الإلكترونية على الرابط :

https://www.makkahnews.sa/5501830.html