علي بن ضيف الله خرمان الكناني الزهراني.. أصالة ترويها المواقف
بقلم : الأستاذ سعود بن زيد الزهراني
هناك رجال لا تحتاج إلى كثير حديث
لتعرف معدنهم، فالمواقف تكشف ما تخفيه الكلمات، والمجالس الأصيلة تعرف أهلها،
والكرم الحقيقي لا يقاس بما يوضع على الموائد، بل بما يسكن في النفوس من وفاء ونبل
واحتفاء بالناس.
ومن هؤلاء الرجال سعادة العميد
الأديب المثقف، الأصيل الوفي، الشهم الكريم، علي بن ضيف الله خرمان الكناني
الزهراني، رجل اجتمعت فيه خصال كريمة، وتآلفت في شخصيته قيم الوفاء والأصالة
والكرم، حتى غدا حضوره في المجالس امتداداً لسيرة الآباء والأجداد، وصورة حية لما عرفت
به زهران والقبائل العربية من شيم المروءة والنبل.
ولعل أجمل ما يميز أبا ضيف الله أن
علاقته بالموروث ليست علاقة ذاكرة عابرة، ولا حنيناً إلى الماضي فحسب، بل هي وفاء
واعٍ ومسؤولية تجاه تاريخ الأسرة والجماعة، فهو يعتز بأسرته العريقة، ويحتفي
برجالاتها، ويحفظ أشعارهم ومآثرهم في كتبه، وكأنه يقول لهم، بعد أن غاب كثير منهم
عن المشهد: لم تنتهِ حكايتكم برحيلكم، فما زال بيننا من يحفظ أثركم، ويصون ذكركم،
ويورثه للأجيال.
وهذا لون رفيع من الوفاء، أن تحفظ
للآباء أسماءهم، وللأجداد سيرتهم، ولشعراء كلماتهم، وللرجال مواقفهم، وأن تجعل
الكتاب وعاء للذاكرة، وجسراً يصل الماضي بالحاضر والمستقبل.
ولم يكن اهتمامه بموروث جماعته
حديثاً يقال، بل كان فعلاً ومبادرة، فكان من أوائل من أسهموا في توثيق هذا الإرث
والمحافظة عليه، إيماناً منه بأن الموروث ليس مجرد قصائد وأسماء وحكايات، وإنما هو
هوية وانتماء وذاكرة مجتمع.
وقد شرفنا أبو ضيف الله بدعوة أصيلة،
كانت في حقيقتها أكبر من كونها مناسبة اجتماعية، كانت مجلساً يعيد للكرم معناه،
وللضيافة هيبتها، وللمحبة حضورها.
كانت العزيمة جامعة لرموز من زهران،
من مشايخ وأعيان وقيادات عسكرية وشخصيات اجتماعية، جمعهم المكان، وقبل ذلك جمعتهم
المحبة والمعزة وصلة الوفاء، وكان المشهد بحد ذاته رسالة تقول إن المجالس التي
تبنى على المودة، لا تحتاج إلى كثير دعوة، يكفي أن يكون صاحبها من أهل الوفاء، وأن
يكون الموعد مع رجل يعرف كيف يجمع القلوب قبل أن يجمع الرجال.
ولعل مما أضفى على مجلسه مهابةً
وأصالة، خلوه التام من عدسات التكلف ومظاهر التصوير، والترتيبات المسبقة مع صُنّاع
المشاهد الرقمية؛ حيث تجردت ضيافته من الادعاء، وبقيت حشمة الكرم العربي النابع من
صدق الاحتفاء لا من حب الظهور.
ولقد لفتني في تلك الدعوة أمر لا
يمكن أن تخطئه العين ولا يغيب عن الذاكرة، ذلك الترحيب الذي سبق الطعام، وتلك
الحفاوة التي سبقت المائدة.
لم يكن الترحيب كلمات مجاملة تقال
عند الباب، بل كان كرماً قائماً بذاته، كأن المضيف يقدم من نفسه قبل أن يقدم من
مائدته، ويقول لضيوفه بصدق الموقف: أنتم أهل الدار، ومجيئكم محل تقدير، وحضوركم هو
تمام الفرح.
وهنا يتجلى الفرق بين الكرم الذي
يراه الناس، والكرم الذي يشعر به الناس.
فالطعام قد يشبع الجسد، أما حسن
الاستقبال فيشبع القلب، والكلمة الطيبة قد تكون أبلغ من مائدة عامرة، والابتسامة
الصادقة قد تترك في النفس أثراً لا تتركه ألوان الضيافة.
وما رأيته في مجلس أبي ضيف الله
يذكرك بذلك الكرم الحاتمي الذي لم يكن يوماً كثرة طعام فحسب، بل كان بشاشة
واحتفاءً، وإيثاراً، ورفعة نفس، وحفاوة بالضيف قبل أن تسأل المائدة عن نصيبها منه.
وهذا هو الكرم الذي عرفته العرب،
وعرفت به زهران، وتوارثته القبائل جيلاً بعد جيل: أن يكون الضيف عزيزاً قبل أن
يجلس، ومكرماً قبل أن يأكل، ومحل حفاوة قبل أن ينطق.
سعادة العميد علي بن ضيف الله خرمان
الكناني الزهراني نموذج لرجل حمل صفات متعددة في شخصية واحدة؛ عسكري يعرف معنى
الانضباط والمسؤولية، وأديب يعرف قيمة الكلمة، ومثقف يقدر المعرفة، ورجل أصيل يعرف
أن الأصل لا يحفظه الكلام، وإنما تحفظه المواقف.
وهو قبل ذلك كله رجل وفي، والوفاء
عند الرجال الكبار ليس موقفاً عابراً، بل منهج حياة.
وفاؤه لأسرته، ووفاؤه لموروثها،
ووفاؤه لجماعته، ووفاؤه لأصدقائه ومحبيه، ووفاؤه للرجال الذين سبقوه، يجعل من
حضوره قيمة تتجاوز حدود المناسبة والمجلس.
إن بعض الرجال يكرمون ضيوفهم بما
يقدمون لهم، أما الرجال النبلاء فيكرمون ضيوفهم بما يجعلونهم يشعرون به.
وهكذا كان مجلس أبي ضيف الله؛ مجلساً
حضرت فيه زهران بتاريخها، ورجالها، ورموزها، ومشايخها وأعيانها وقياداتها، وحضرت
فيه قبل ذلك كله روح الأصالة التي لا تزال حية في رجالها.
فشكراً لأبي ضيف الله على دعوة حملت
في ظاهرها كرم الضيافة، وفي باطنها عمق الوفاء، وعلى مجلس أعاد إلى الذاكرة صورة
المجالس العربية الأصيلة، حيث الرجال يلتقون على المحبة، والقلوب تتقارب على
المودة، والموروث يجد من يحمله، والكرم يجد من يجسده.
وإذا كان الموروث إرثاً للأجيال، فإن
أمثال أبي ضيف الله هم أمناؤه؛ يحفظون ما وصل إليهم، ويضيفون إليه من جميل أثرهم،
ثم يسلمونه لمن بعدهم أكثر حضوراً وأعمق أثراً.
رحم الله الآباء الذين أورثوا
أبناءهم هذه الشمائل، وحفظ الله أبا ضيف الله، وأدام عليه الصحة والعافية، وبارك
في أسرته الكريمة، وجعل ما يقدمه لموروث أسرته وجماعته باقياً في ذاكرة الأجيال.
فالأصالة لا تحتاج إلى شهادة، والكرم
لا يحتاج إلى تعريف، والوفاء لا يحتاج إلى إعلان؛ يكفي أن تأتي المواقف، فتقول عن
صاحبها كل شيء.
محبكم
سعود بن خضران بن زيد
................................................
وصلتني هذه الرسالة في مجموعة التراث بالمندق في الواتساب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق