الأحد، 20 أكتوبر 2013

بين جيلين ..


بسم الله الرحمن الرحيم


بين جيلين

طرق الجبل في شعر الشقر الجنوبي .. هذا الفن الذي يكاد يندثر ولم يبق منه إلا ماسجل من قصائد قديمة لشعراء مضوا رحمهم الله ، ويأتي على رأس هؤلاء الشعراء ملك طرق الجبل دون منازع الشاعر ( احمد بن جبران الزهراني رحمه الله تعالى) والذي يتغنى بقصائده كل عاشق لطرق الجبل ومحب لسماع قصائده ، والشاعر ابن جبران في قصائده كثير الشبه بشاعر الغزل الأموي عمرو بن أبي ربيعه والفرق بينهما أن أحدهما فصيح والآخر شعبي رحمهما الله .

قال ابن خُرمان : ما جعلني اذكر هذا هو أنني وجدت قصيدة حديثة من شاعر شاب على طرق الجبل كانت موجهة إلى جده الذي قارب عمره المائة عام أو قد يكون تجاوزهانسأل الله لنا وله حسن الخاتمة ، وفي هذه القصيدة التي بين بدعها وردها فرق أجيال يستفز الحفيد جده ويستثير كوامنه على طرق كان هو السائد في شباب ذلك الجد .
هنا سنلقي نظرة على القصيدة بدعا وردا.

البدع / فهد عيدان علي الكناني الزهراني (الحفيد)


يابو حسن قل البصر والجهد قله
وابتليت بكل علة

يبدأ الحفيد بمناداة الجد بالكنية المحببة إلى نفسه ليلفت انتباهه ويجعله مركزا حواسه على ماسيقوله ثم يبدأ استفزازه بتذكيره بحالته الراهنة من قل البصر والجهد وكثرة العلل والأمراض التي يشتكي منها ، ثم يقول له في التالي :


ذيك الجباه الحمر في قلة سماوا
كنت عنها ما تقاوى

يذكره بشبابه الذي كان يستطيع فيه ولا يتقاوى إو يتردد عن الوصول الى أصعب أماكن في قلة سماوا الجبل المرتفع وهي الصخور الحمراء اللون كما وصفها القرآن في سورة فاطر حيث قوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ۚ وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ).

تلك الاماكن المرتفعة في قلة سماوا من استقلالها وعلوها والتي يطلق عليها الجباه جمع جبهة ووصفت بالجبهة لارتفاعها وتصدرها الهول والخطر .. لكن ماذا :

واليوم شابت لحيتك والراس شايب
ما بتقوى للنشايب

قال ابن خُرمان:
هنا تنبيه أنه لن يستطيع الآن فاللحية شابت والرأس شاب ، وقد قال الشاعر صالح اللخمي في احدى قصائده ( الكبر له قدر والشيب قطعه م الكفن ) ، وإن قيل أن الشيب ليس دليلا فيقول الشاعر الحفيد أن السن ياجدي العزيز أوهن منك العظم فلن تستطيع الوصول للنشايب وتحدي المصاعب كما كنت سابقا ..

ثم تأتي العاطفة المحبة من الحفيد لجده وهل هناك أجمل من الحب المتبادل بين الحفيد والجد ؟!. فيتحسر على حياة الإنسان الذي يتعب في الدنيا وتتقاذفه السنون حتى تصل به إلى نهايته وتأتي منيته .. ثم ليس للعبد في هذا الحال إلا أن يدعو بحسن الختام له ولجده ، ونحن ندعو للجميع بحسن الختام :


الادمي يتعب في الدنيا الدنية
لين تاجيه المنية
الله يحسن خاتمتك وخاتمتنا

قال ابن خُرمان :تنتهي قصيدة الشاعر الحفيد ويأتي دور الخبرة ورد الكلام من الجد:

الرد / علي محمد الكناني الزهراني ( الجد )


في ما مضى قدام كنا ما نذله
نوصل الخصمي محله

يبدأ كلام الجد بتذكر الماضي المختلف في حالة الزمان وحالة الشخص عن الحاضر، فالزمان كان الخوف والسطو والقتال والشقاء البدني اما الشخص فكان الفخر بالشجاعة والجرأة وعدم قبول الذل حتى أن العدو يعود خاسرا .. ويتواصل شرح الحالة الماضية في زمن الجد حيث لا مدن ولا شوارع ولا إضاءة فإذا دنت الظلمة بدأت السباع في الحركة والبحث عن الفرائس والتي أشار لها شاعرنا بسماع أصوات الذئاب حيث يذكر العرب الذئب في أشعارهم إشارة إلى وحشة المكان والبعد عن الأهل وإشارة لغدر الذئب كما حصل مع الفرزدق في سفره واستضاف ذئبا وعشاه وقال في أبيات منها :
و أطلس عسال وما كان صاحبا .. دعوت بناري موهنـا فأتانـي
فلما دنا قلت ادن دونـك إننـي .. و إياك فـي زادي لمشتركـان
فبت أسوى الزاد بيني و بينـه .. على ضوء نار مـرة ودخـان
فقلت له لمـا تكشـر ضاحكـا .. و قائم سيفي من يـدي بمكـان
تعشّ فإن واثقتني لا تخوننـي .. نكن مثل من يا ذئب يصطحبان
وأنت امرؤ يا ذئب والغدر كنتما .. أخييـن كانـا أرضعـا بلبـان

فيقول شاعرنا الجد علي بن محمد ومع خشية الأعداء وكثرة السباع في ظلمة الليالي أنهم كانوا في ذلك العصر لا يهابون كل ذلك فيسرون الليالي ويقضون مآربهم او يغزون ديار أعداءهم :


في ليل (ن) اظلم فيه ما للناس ماوى
نسري وذيابه تعاوى

أما عصركم هذا عصر التقدم والاختراعات من سيارات إلى طائرات إلى كهرباء إلى غيرها والتي تعد عجائبا من وجهة نظر الشاعر فقد أثر فينا السن وتبنا عن كل ماكان بما فيها العشق والغرام فيرمز الى معشوقته وكأنه مخاطبا لها بجالي الثنية وهل كان عندهم سوى جلي الثنية بالسواك فلم يكن معجونا موجود ولا تقويم أسنان .. ثم يقول ياجالي الثنية أنتهت رغبتنا في العشق وليس لنا إلا نطلب العفو والمغفرة من الله سبحانه ، ويلمح لحفيده بطريقة غير مباشرة باستمرار الدعاء له ولمن ذكرهم بعد الموت فهم في حاجته ..فيقول :


واليوم في عصر التقدم والعجايب
صار منه القلب تايب
قفى زمان العشق يا جالي الثنية
مالنا في العشق نية
يا الله في الغفران لا ماتوا ومتنا

قال ابن خُرمان أتمنى أن أكون وفقت في تقديم القصيدة واليكم القصيدة كاملة

البدع / فهد عيدان علي الكناني الزهراني ( الحفيد )


يابو حسن قل البصر والجهد قله
وابتليت بكل علة
ذيك الجباه الحمر في قلة سماوا
كنت عنها ما تقاوى
واليوم شابت لحيتك والراس شايب
ما بتقوى للنشايب
الادمي يتعب في الدنيا الدنية
لين تاجيه المنية
الله يحسن خاتمتك وخاتمتنا

الرد / علي محمد الكناني الزهراني ( الجد )


في ما مضى قدام كنا ما نذله
نوصل الخصمي محله
في ليل (ن) اظلم فيه ما للناس ماوى
نسري وذيابه تعاوى
واليوم في عصر التقدم والعجايب
صار منه القلب تايب
قفى زمان العشق يا جالي الثنية
مالنا في العشق نية
يا الله في الغفران لا ماتوا ومتنا

وهنا القصيدة بصوت الشاعر فاضل الزهراني :


http://www.youtube.com/watch?v=4IbcyIUMrr0


................................

كتبه/ علي بن ضيف الله بن خُرمان الزهراني 
الدمام ١٤٣٤ هـ ٢٠١٣ م


................
تم نشره في صحيفة مكة الإلكترونية في  10-20-2013 11:55 AM   على الرابط :
http://www.makkahnews.net/articles.php?action=show&id=2058

ونشر في صحيفة الفنون الإخبارية في   12-14-1434 08:16 AM   على الرابط :
http://www.alfnoon.net/articles.php?action=show&id=808


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق