انتحال شعر الشقر
يقصد بانتحال الشعر نسبة أبيات أو
قصائد كاملة إلى غير قائليها ، وقد ورد هذا كثيراً في الشعر العربي والسبب الرئيس
لورود هذا الأمر أن الشعر العربي كان يلقى ويحفظ مشافهة لا يوثق حيث يتناقله الناس
بالروايات الشفهية فيرويه بعضهم إلى غير قائله جهلاً أو تعمداً وقد يعجب البعض
بقصيدة فينسبها لمن يحب من الشعراء ، أو يسمع أحدهم أبيات فخر فينسبها لشاعر من
قبيلته لتشتهر بهذا . وقد انتشر انتحال الشعر في العصر الأموي والعباسي وما بعدهما
، وتطرق لهذا الأمر عدد من الأدباء ففي كتاب الأغاني ورد ذكر هذا الموضوع كثيراً
كما كتب عنه آخرون لعل أشهر من كتب في هذا الدكتور طه حسين ، ومن الجدير بالذكر
هنا أنني اطلعت على مقال للدكتور بكري شيخ أمين (عضو اتحاد الكتاب العرب وعضو
اللجنة العالمية للغة العربية) نشره في
مجلة ( أهلاً وسهلاً ) عدد أغسطس 2006 م بعنوان ( الكذبة التاريخية بين السموءل
والحارثي ) يتحدث عن القصيدة التي فيها :
إذا المرءُ لم يَدْنَسْ من اللؤم
عِرضُه
فـكـل رداءٍ يرتـديـه جـمـيـلُ
وإنْ هو لم يَحمِلْ على النفس ضيمَها
فليس إلـى حُسْـنِ الثنـاء سبيـلُ
تُعيِّـرُنـا أنّــا قلـيـلٌ
عَديـدُنـا
فقلـت لهـا: إنّ الـكـرامَ قلـيـلُ
ومـا ضَرَّنـا أنّـا قليـلٌ،
وجارُنـا
عزيـزٌ، وجـارُ الأكْثريـنَ ذلـيـلُ
وإنّا لَقومٌ ما نَـرى المـوتَ
سُبَّـةً
إذا مـا رأتْـه عـامِـرٌ وسَـلـولُ
وما مات منّـا سيِّـدٌ حتْـفَ أنفِـه
ولا طُـلَّ منـا حيـث كـان قتيـلُ
تسيل على حَـدِّ الظُّبـاتِ نفوسُنـا
وليستْ على غيـرِ الظُّبـاتِ تسيـلُ
سَلِي إنْ جهلتِ الناس عنا وعنهـمُ
فليـس سـواءً عالـمٌ وجَـهـولُ
فإنَّ بنـي الدَّيّـانِ قطْـبٌ
لقومهِـمْ
تَـدورُ رحاهُـمْ حولهـم وتَـجـول
ذكر الكاتب أن القصيدة ليست لليهودي
السموءل بن عاديا كما يدعي الرواة دون تمحيص حيث تناقلها الكتاب من بعضهم البعض
دون أن يدققوا في صحة المعلومة ودون وضعها تحت مجهر الجرح والتعديل وفند بعض
الملاحظات كما استشهد بأقوال بعض رواة الأدب كابن طباطبا العلوي (ت 478) وأبي بكر
الصولي (ت 335هـ) وابن الأعرابي (ت 231هـ) والمرزوقي (ت 421هـ) الذين ذكروا أنها لشاعر
عباسي اسمه ( عبد الملك بن عبدالرحيم الحارثي) ، ونبهوا على أنها تنسب خطأ إلى
السموءل. ومن له الرغبة في قراءة المقال يجده على الرابط التالي : (https://zahrani3li.blogspot.com/2009/04/blog-post_22.html ).
قال ابن خُرمان :
لم يكن انتحال الشعر خاصاً بالشعر
الفصيح بل كثر هذا في شعر الشقر الشعبي الذي تشتهر به بعض المناطق من الطائف إلى
أقصى جنوب المملكة ، وما دعاني لكتابة هذا الموضوع قصيدة سمعتها وفيها روايات سأتي
عليها آخر المقال وكذلك ما قرأته في كتاب ( قرية الشعار بتهامة زهران ) للدكتور
محمد سبتي الغبيشي والذي أفرد لهذا الموضوع في كتابه ما يقارب عشر صفحات بدءًا من
الصفحة ( 120 ) أوضح فيها أنه وجد عدة قصائد من أشعار الغبيشي أو أحد أبنائه منسوبة
لشعراء آخرين ، وذكر من أسباب انتحال الشعر عدم رجوع مدوني الشعر الشعبي إلى معاقل
الشعراء وإكتفاء اللاحق بالأخذ من السابق دون تمحيص ، كما أشار إلى أن من أسباب
رواية الرواة القصائد لغير أصحابها أن بعض الرواة يتعمد لأهداف في نفسه وربما
انتصاراً لشاعر دون آخر ، ومنهم حاطب ليل يروي كما اتفق ، وربما روى أحدهم قصيدة
لأحد الشعراء يذكر اسمه فلا ينتبه السامعون للاسم فيتناقلونها باسم الراوي . وأقول
يحدث هذا بكثرة عند رواية القصائد و تسجيلها في بعض المجالس حيث يسقط من التسجيل
اسم الشاعر فتبقى بصوت الراوي الذي يظن من يتناقل التسجيل أنها من قوله .
وقد ذكر لنا مؤلف الكتاب عدداً من
القصائد التي يرى أنها رويت لغير أصحابها منها القصيدة التالية التي أوردها
الأستاذ علي بن صالح السلوك في كتاب الموروثات بدع الشاعر سعيد الأصوك والرد من
الشاعر جريبيع بينما حقيقتها أن البدع للشاعر أحمد بن علي الغبيشي الزهراني الملقب
( أبو ناب ) ورد عليه الشاعر جريبيع بن صالح الزهراني .
البدع :
أقوله يا مسرحيْ في نشّيا طين
يا محسن الدخن من بعد العفا ريت
أحلى من الجلس من سد الولاجن
وأحلى من المحض جا ما ابلي سمانه
الرد :
أنا جريبيع من ذرو الشياطين
والولد ما كنه إلا ما العفاريت
وانا ويا اهلي عمدنا ع الولا جن
ويوم ريتوه قلت ابليس امانه
كما أورد المؤلف عدداً آخر من
القصائد نسبت لغير قائليها ولعل أحدث القصائد التي انتشرت مؤخرأً قصيدة لشاعر شاب
معاصر هو الشاعر معيض بن عباس الزهراني والتي نسبها البعض للشاعر محمد بن ثامرة
الزهراني رحمه الله علماً أن المدة بين الشاعرين تزيد عن المائة عام .
القصيدة :
أي نحن زهران والقالة شريناها بعد
بعد
و امتلكناها وفرقنا صفوف الترك وانحن
وانحن
ما نذل و مدحنا يبنى مثل صور بني بني
اخبر التاريخ عن جيش احمد الباشة
وحيدر حيدر
يوم ظلى للسيوف الحدب جولات ولي ولي
في رهي البر و قوب وعالقة والدار
ديره ديره
من رجال ما تلين قلوبهم واصل الصفا
صفا
واغتنمنا الخيل الادهم وكسرنا بيرق
الشر بالشر
واغتنمناها جمال تاتهادر من رقابها
بعدما اسرنا احمد الباشة وصلبنا علي
عبشان
ما لقي الباشة مصاف ولا محاف عن
القضا والقدرة
بين شدات الميازر واشهب البارود صوب
صوب
والرهوة ظلى سماها مظلم من فية
البارود
وظلى حتى الشجر ما يشرب الا من دم
آدمي
قال ابن خُرمان :
لعله من الأهمية في هذا المقال
الحديث عن قصيدة يتناقلها الناس كما رواها الشاعر الكبير سعيد بن هضبان الحارثي
ولثقتهم في شاعريته وروايته نشرت في بعض الكتب مثل كتاب ( الجناس والعروض في شعر
الشقر ) للدكتور محمد سبتي الغبيشي الزهراني
والقصيدة كما رواها الشاعر بن هضبان كان البدع من الشاعر محمد الغويد
الغامدي والردود من الشاعر محمد بن مصلح الزهراني رحمهما الله .
البدع الغويد:
لابتي غامد كما السيل لا طمى عقوم
من يمره ما يقوم
ينقل الحضران واللي بعد في البر شاوي
من يمره راح تحت اللحد وصليلها
الرد ابن مصلح :
لابتي زهران ماحافنا طماع قوم
سال غامد والبقوم
ماحمينا حدنا بالهروج وبالرشاوي
الا بسيوف يبت العظام صليلها
وتصحيحاً لهذه الرواية أنقل ( بتصرف
) رواية للأستاذ الدكتور عبدالرزاق بن حمود الفقيه الزهراني نقلاً عن الشاعر ابن
مصلح رحمه الله ( وهي الأرجح عندي ):
ان القصيدة للشاعرين علي بن عواض
الغامدي ومحمد بن مصلح الزهراني، حيث مر ابن عواض على ابن مصلح الذي أكرمه بالغداء
ثم اتجها مع بعض إلى حفل في قرية الغانم فقال الشاعر البدع وكان مجهز له الردود
إلا أن ابن مصلح طلب منه إعادة البدع وأقسم أنه من سيرد على القصيدة وهذا ما حدث .
وهنا القصيدة كاملة :
البدع علي بن عواض الغامدي:
ياسلام الله لدار آل غانم بيت بيت
كل شايب والصغير
والرماضين الذي كنهم حد الشبا
ما نقول منها نبا
والعشاريق الذي كنهم قلة شدا
ما بنوا بني الردا
وآل مرزوق الذي كنهم ضلعٌ عسير
ما بنوا بنيٌ قصير
يا سلام الله سلامي لقوم راسمين
لو بنبقى اربع سنين
وانحن الزهران نحمى حدود بلادنا
وانشدوا من رادنا
عزوتي غامد كما حاشر طمى عقوم
حظنا دايم يقوم
واليساري هو شريكٌ في ارضي وامتلك
ما نقول منها بدا
ولنا حد يسمى بوادي بني بشير
وانشدوا عنا قريش
ولنا حد يسمى وهو في ظهر حابس
ولنا في دوس في طارف العرنين ربعه
غير رابعة الربوع
ما خذينا حقنا بالكذاب وبالرشاوي
غير بسيوف يبت العظام صليلها
الردود ابن مصلح:
مرحبا بك يا علي عندنا مابيت ابيت
لا توصي وص غير
وان بدعت القارعة قبلنا لا تنشبا
كل علم له نبا
انت بيتنشد عن الهيض وانا بانشدا
كب علم المردا
والذي جيد ومطلق دروا به من عسير
ما يبور في القصير
وان بدعت الشور والرا فخل الرا سمين
حدنا يربع سنين
وانحن زهران فدنا المدوح بلا دنا
شايب و مرادنا
عزوتي زهران ما حافنا طماع قوم
وانشد غامد والبقوم
من تمنى حد زهران بيغدي هلاك
ما اخبره منا بدا
والذي يخطي الشريعة يجي عنه البشير
والذي يقرا قرا ايش
والصديري حط له محكمة سجن وحابس
من تمنى حد زهران يصدر عند ربعه
يوم رابعة الربوع
يا علي ما ني بمثلك بعد في البر شاوي
كم قرون داسها الموت تحت صليلها
وقد أوضح الدكتور عبدالرزاق أنه أرسل
التصحيح للشاعر ابن هضبان إلا أن القصيدة انتشرت بأخطائها تناقلتها وسائل التواصل.
ختاماً:
نتمنى أن يصل هذا المقال لمن يهتم
بالأدب الشعبي ، ونطلب من رواة القصائد في المناسبات والجلسات والمقاطع التأكد من
نسبة القصائد إلى قائليها .
والله ولي التوفيق.
كتبه /
علي بن ضيف الله بن خُرمان الزهراني
الدمام
شعبان 1447 هـ الموافق فبراير 2026 م